شهدت صناعة النفط الأميركية تباطؤاً في نمو النفط الصخري خلال العامين الأخيرين ثم انخفاضاً في الشهور الأخيرة، وفي وقت عزا المحللون ووسائل الإعلام هذا التباطؤ والانخفاض إلى انخفاض أسعار النفط، ومحاولة الشركات ضبط الانفاق الاستثماري وتعظيم عوائد رأس المال، لكن الحقيقة غير ذلك.
جاء التباطؤ ثم الانخفاض بعد موجة اندماج واستحواذ ضخمة جعلت الشركات تنشغل في عمليات التكامل لفترة تتجاوز العام، وإعادة تقييم ما لديها من أصول وآبار وغيرها، ومن ثم انخفض الإنفاق الاستثماري، أما السبب الثاني فهو سيطرة الشركات النفطية العملاقة مثل “إكسون موبيل” و”شيفرون” على كبار شركات النفط الصخري، وهذه الشركات لم تسيطر على النفط الصخري لزيادة إنتاجه بصورة كبيرة أو لتحقيق أرباح إضافية، فهذه الشركات لم تجد مفراً من شراء تلك الشركات للسيطرة على نموها ومنعها من منافسة أعمالها في أنحاء العالم كافة، وهذه الشركات تعلم جيداً من تاريخها العريق أن أكبر مهدد لمصالحها تاريخياً، والذي تسبب في خفض أرباحها وهيمنتها العالمية، هو ارتفاع صادرات النفط الأميركية نتيجة زيادة إنتاج المنتجين المستقلين.
تاريخياً كانت هذه الشركات تسيطر على صناعة القرار في واشنطن والولايات الأميركية، فجعلت سكة حديد تكساس تدير إنتاج تكساس بعد خفضه بصورة كبيرة، لمنع المنتجين المستقلين من زيادة الصادرات الأميركية، وأداروا أسواق النفط العالمية من خلال التنسيق مع ما يعرف بـ “الأخوات السبع”، وهي أكبر سبع شركات أميركية وأوروبية وقتها، وكان أحد أهدافها تحجيم صادرات المنتجين الأميركيين المستقلين من طريق خفض الكُلف من جهة، والسيطرة على نقل النفط وتسويقه من جهة أخرى، والوضع خلال الاعوام الأخيرة كان مماثلاً، ولكن شركات النفط فقدت تأثيرها السياسي، ومن ثم اضطرت إلى التدخل وشراء شركات المنتجين المستقلين.
هذه الشركات العملاقة رفضت في الفترات الأخيرة زيادة الاستثمار والإنتاج في أحواض الصخري على رغم ارتفاع الأسعار وطلبات ترمب، وهذا يؤكد فكرة السيطرة، ولهذا كان متوقعاً أن أي رد فعل على ارتفاع أسعار النفط من المنتجين المستقلين، ومعظمهم شركات متوسطة وصغيرة، وهذا ما نراه اليوم، فأي زيادة قادمة في عمليات الحفر ستأتي منهم، ومن ثم فقد نجد موجة استحواذ أخرى قادمة كي تُحكم شركات النفط الكبرى قبضتها على الصناعة.
نتائج زيادة عمليات الحفر
نسبة المخاطرة في عمليات التنقيب والحفر التقليدية عالية، وحفر بئر جافة أو غير تجارية يعني خسارة كلفة حفر البئر بالكامل، ولكن هذه المخاطرة غير موجودة في مكامن النفط الصخري المعروفة، لأن الطبقات الحاوية للنفط والغاز، والتي تمتد لمساحات كبيرة، معروفة، ومن ثم فإن المخاطرة أقل مقارنة بالنفط التقليدي، ولهذا فإن أهم أمر بالنسبة إلى منتجي النفط الصخري المستقلين هو السعر، ومع ارتفاع الأسعار نتيجة أزمة هرمز فقد كان واضحاً أن من سيستجيب لارتفاع الأسعار ويزيد عمليات الحفر وزيادة الإنتاج هم المنتجون المستقلون، وهم كما أسلفت شركات متوسطة وصغيرة، ولكن وصفها بمتوسطة وصغيرة لا يعني أن نستخف بها، لأن هذه الشركات هي من قام بـ “ثورة الصخري” ورفعت الإنتاج بمقدار 9 ملايين برميل يومياً، وهو إنتاج يفوق إنتاج النفط في الإمارات والكويت معاً.
ارتفع عدد الحفارات بمقدار 10 خلال الأسبوع الماضي، وإذا استمرت هذه الزيادة وتجاوزت 20 حفارة أخرى ليصل العدد إلى نحو 450 أو أكثر، فإن النتيجة الحتمية لذلك هي زيادة إنتاج النفط الصخري مرة أخرى، وبعبارة أخرى فإن وجود 450 حفارة أو أكثر سيؤدي إلى رفع الإنتاج بما يتجاوز معدلات النضوب، وهذا يعني بالصورة زيادة الإنتاج.
هل يستطيع ترمب زيادة إنتاج النفط الصخري كما حدث في فترته الرئاسية الأولى؟
وهذه الزيادات، إن حصلت، فأثرها في الأسواق ضعيف لأن كميات الزيادة قليلة، وإن كانت كل هذه الزيادات ستصدّر لأن المصافي الأميركية وصلت إلى حد الإشباع من النفط الخفيف الحلو، ولكن سيكون لها أثر كبير في طريقة تعامل المحللين مع النفط الصخري وفي تقييم شركات النفط الصخري، فمحللو البنوك والشركات المالية يعتقدون أن إنتاج النفط الصخري وصل إلى ذروته، ولن يزيد إنتاجه أبدا، بينما ذكرتُ في عدد من المقالات والمقابلات أن إنتاج النفط الصخري سيمر بذروات قبل أن يصل إلى الذروة النهائية، وأن إنتاج النفط الصخري سيرتفع مرة أخرى مع توافر الظروف الملائمة لذلك، ولهذا فإن عودة إنتاج النفط الصخري للنمو ستثبت خطأ توقعات المحللين، وهذا سيغير رؤيتهم للموضوع بأكمله، ومن ثم تتغير التوقعات المستقبلية لأسواق النفط.
المشكلة أن زيادة إنتاج النفط الصخري تجعل بعض السياسيين الأميركيين، بمن فيهم الرئيس ترمب، يعتقدون أن الولايات المتحدة مستقلة نفطياً، ويبنون سياسات داخلية وخارجية بناء على ذلك، وستكون سياسات خاطئة تماماً لأنهم يركزون على الكمية ويتجاهلون نوعية النفط، فالولايات المتحدة لا تزال تستورد قرابة 6 ملايين برميل يومياً، غالبيتها من النفط المتوسط والثقيل الحامض، وقد يرد أتباع ترمب بالقول إنهم يسيطرون على نفط فنزويلا، وأن هذا سيحل مشكلاتهم من ناحية النوعية، ولكنهم يجهلون أمراً مهماً وهو أن الكميات المنشودة من فنزويلا لن تتحقق إلا بعد أعوام عدة من الآن، وبفرض أن الحظ يحالف فنزويلا في كل خطوة من خطواتها.
تحويل النفط والغاز المسال إلى أسلحة
أصبح النفط والغاز المسال أسلحة في يد الحكومة الأميركية تستخدمها بطرق مختلفة، وبهذا فإن أية زيادة في إنتاجهما تدعم هذا التوجه، فقد مكنت “ثورة الصخري” ترمب من إلغاء الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرض عقوبات عليها خلال فترة ولايته الأولى، ومكنته من فرض عقوبات على فنزويلا وتغيير نمط النظام فيها، ومكنته من شن حروب تجارية على دول مختلفة، ومكنت بايدن من فرض عقوبات على روسيا وإحلال الغاز الأميركي محل الروسي في أوروبا، ومكنت ترمب من شن حرب على إيران في يونيو (حزيران) 2025، ثم شن الحرب الحالية وإغلاق مضيق هرمز، وقد هدد ترمب الاتحاد الأوروبي بقطع إمدادات الغاز المسال عنه إذا لم يُوقع الاتفاق التجاري بينهما مثلما يريدها هو، وركّز ترمب في كل المحادثات التجارية على تسويق الغاز المسال الأميركي،
وأهم من ذلك كله أننا رأينا تحولاً في التفكير الأميركي بالكامل، من فكر استقلال الطاقة إلى فكر الهيمنة من خلال الطاقة، وعبّرت إستراتيجية الأمن القومي التي نُشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 عن ذلك صراحة.
خلاصة الأمر هنا أن زيادة إنتاج النفط والغاز تعزز هذا الفكر، بغض النظر عن الكميات أو النتائج الفعلية في أرض الواقع، وهذا الفكر هو الذي يحرك السياسات والجيوش، وأكثر ما في الأمر غرابة أن الرئيس ترمب اشتهر بمعارضته ارتفاع أسعار النفط حتى قبل تسلمه الرئاسة بعقود، وفجأة سكت عن موضوع ارتفاع أسعار النفط الأخير ولا ندري لماذا؟ ولكن هناك حقيقة مفادها أن ارتفاع أسعار النفط سيؤدي إلى انخفاض كبير في أسعار الغاز الطبيعي داخل الولايات المتحدة، وأحياناً يباع بأسعار سالبة، لأن نسبة الغاز في آبار الصخري أكبر بكثير من نسبته في الآبار التقليدية، وهذا يعني أن الولايات المتحدة تستطيع تصدير مزيد من الغاز المسال، ومن ثم تحقق مزيداً من الهيمنة.
