في كل عام تعود ذكرى النكبة الفلسطينية لتوقظ في الوجدان العربي أسئلة التاريخ والهوية والمصير، غير أن وقعها في الأردن يبقى مختلفاً وأكثر حساسية وارتباطاً بالواقع السياسي والاجتماعي، لذلك لم يكن تنظيم مسيرة تحت شعار «في ذكرى النكبة» مجرد تفصيل إداري عابر، بل خطوة تحمل في طياتها رسائل متعددة الاتجاهات، داخلية وخارجية، سياسية وشعبية في آن واحد.
الأردن يدرك جيداً أن القضية الفلسطينية ليست ملفاً خارجياً بالنسبة له، بل جزء من تكوينه السياسي والاجتماعي والتاريخي، فهناك روابط الدم والجغرافيا والذاكرة المشتركة، وهناك أيضاً القناعة الرسمية الراسخة بأن أي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية أو فرض حلول على حساب الأردن تمس بصورة مباشرة أمن المملكة واستقرارها وهويتها الوطنية، من هنا فإن تنظيم مسيرات النكبة يأتي في سياق تأكيد أن فلسطين ما تزال حاضرة في الوعي الأردني الرسمي والشعبي، وأن الحديث عن «طي الصفحة» ليس واقعياً بالنسبة لدولة ترى نفسها معنية بما يجري غرب النهر أكثر من أي وقت مضى.
لكن الرسالة لم تكن موجهة للداخل فقط، فالأردن، الذي يؤكد في خطاباته الرسمية رفض التهجير والوطن البديل وتصفية القضية الفلسطينية، أراد أيضاً أن يبعث بإشارة للخارج بأنه لا يستطيع الانفصال عن نبض شعبه، وأن الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحقق بتجاهل الحقوق الفلسطينية أو القفز فوق التاريخ. فإحياء ذكرى النكبة في هذا التوقيت الإقليمي المضطرب يحمل معنى سياسياً يتجاوز مجرد استذكار حدث وقع عام 1948، ليصبح تذكيراً بأن جذور الصراع ما تزال مفتوحة، وأن محاولات فرض وقائع جديدة بالقوة لن تلغي الذاكرة ولا المطالب الوطنية الفلسطينية.
ومع ذلك، فإن الدولة الأردنية تحرص دائماً على إبقاء هذا النوع من الحراك ضمن حدود محسوبة بدقة، فهي تريد الحفاظ على حق التعبير والتضامن، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب بتحول الشارع إلى حالة فوضى أو صدام أو منصة لشعارات قد تؤدي إلى توترات داخلية أو إقليمية، ولهذا تبدو السياسة الأردنية.
في المحصلة، فإن تنظيم مسيرة «في ذكرى النكبة» كان تعبيراً عن معادلة أردنية معقدة تحاول الجمع بين الوفاء للهوية السياسية والتاريخية للمملكة، واحترام المزاج الشعبي، والحفاظ في الوقت نفسه على الاستقرار الداخلي والتوازنات الإقليمية، وهي معادلة قد تبدو صعبة، لكنها بالنسبة للأردن أصبحت جزءاً دائماً من فن إدارة الدولة في منطقة لا تعرف الهدوء.
