تعدد الخيارات المتاحة للتعامل مع الظروف المستجدة
الحديث عن متانة الاقتصاد الوطني وقدرته على مجابهة التحديات الراهنة والحد من تداعياتها المعيشية قدر المستطاع، وتحفيز مختلف القطاعات؛ يأتي انعكاساً للمؤشرات المالية والنقدية والبيانات الإحصائية التي تصدرها الجهات المختصة، وتتوافق إلى حد كبير مع تقارير المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين ووكالات التصنيف الائتماني وغيرها.
تظهر بشكل جلي قوة الاقتصاد الآنية بنتائج المراجعات الدورية التي يجريها صندوق النقد الدولي في إطار برامج الإصلاح المطبقة منذ سنوات، ونتائج القطاعات الأساسية الرافدة للنمو مثل الصناعة والصادرات والسياحة والعقار وأرباح الشركات والملاءة المالية للبنوك وحجم الاحتياطي الأجنبي والتدفقات الاستثمارية والودائع والسيولة المحلية والسوق المالي وغيرها.
انتظام عمل سلاسل التوريد رغم الصعوبات المحيطة واضطرابات الشحن البحري في ظل الأزمات المتوالية على المنطقة -وآخرها الحرب الأمريكية الإيرانية- معطى آخر يدل على نجاعة الاقتصاد الأردني وتعدد الخيارات المتاحة للتعامل مع الظروف المستجدة لأطول فترة ممكنة.
هذه المعطيات وغيرها تبعث على التفاؤل حالياً إلى حد ما بالقدرة على مواجهة آثار الحرب وعدم الاستقرار في المنطقة والظروف الجيوسياسية العالمية كما يجب خلال الفترة المقبلة، مع بقاء احتمالات عودة الصراع واتساعه في أي وقت، والأطماع التوسعية للكيان المحتل التي تزايدت من قبل حكومته الأكثر تطرفاً منذ نشوئه. فطول الصراع ينطوي على خسائر ليست في الحسبان على المستوى الدولي ككل.
الحكومة وكافة أجهزة الدولة عملت بكفاءة عالية لمواجهة الانعكاسات المباشرة وغير المباشرة للحرب والصراع في المنطقة المتجدد من حين لآخر؛ ما أدى إلى تجنيب المملكة آثاراً أكبر وأخطر، وخاصة في المجال الاقتصادي، من خلال ما تم اتخاذه من إجراءات متوالية لاحتواء الضغوط التضخمية وضمان عمل الأسواق والاقتصاد كالمعتاد، فيما كانت الكلف المالية عالية على الخزينة، لا سيما مع انقطاع توريد الغاز الطبيعي والتحول لاستخدام الوقود الثقيل والارتفاعات القياسية على أجور الشحن البحري وتعطل حركة السياحة.
السؤال الذي يطرح حالياً: «إلى أي مدى يستطيع الاقتصاد الأردني تحمل تبعات الصراع في المنطقة، وخاصة مع طول أمده وعدم التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية والملفات الأخرى؟.
الجواب الواقعي.. لا يمكن لأي اقتصاد في العالم أن يجاري مثل هذه التداعيات ويمتص آثارها طويلاً.. كبرى الاقتصادات العالمية تعاني اليوم كثيراً بسبب ارتفاع أسعار النفط الخام والسلع والمواد الأولية وشحها، ما يضع العالم بأسره اليوم أمام حرب شاملة عنوانها المصالح الاقتصادية وتقاطع المصالح، وهذا ما يفسر الحرب الاقتصادية الباردة حالياً بين الولايات المتحدة والصين وما ينطوي تحتهما من قائمة حلفاء.
ولكن، ما الذي يجب فعله إن دخل الاقتصاد العالمي والمنطقة في مرحلة أوسع من الصراعات السياسية والاقتصادية، وليست الحرب الأمريكية الإيرانية آخرها؟
التهيؤ لهذه الاحتمالات واجب وضرورة ملحة من خلال القراءة الأبعد لمآلات الصراع وتقلبات أسواق النفط والطاقة والسلع والمواد الأولية عالمياً واضطرابات المضائق البحرية، لا سيما أن الأردن يستورد معظم احتياجاته لعدم وجود أو كفاية الإنتاج المحلي، ووضع آليات المواجهة تبعاً لمختلف السيناريوهات حتى إن وضعت الحرب أوزارها بشكل نهائي، لكن الاضطرابات ستبقى قائمة في المنطقة، عدا الظروف الجيوسياسية العالمية.
تعظيم الاستفادة من الحالة الإيجابية للاقتصاد الوطني في الوقت الراهن يمكنه من التعايش لفترة أطول مع تداعيات الصراعات والتوترات الإقليمية والعالمية، وذلك بتعزيز أدوات الإنتاج وتحقيق التكامل بين العديد من القطاعات بما يقلل فاتورة استيراد السلع والمواد الأولية، وزيادة المساحات المزروعة من خلال تحفيز الاستثمار الزراعي والصناعي.
توظيف المدخرات الوطنية والودائع التي تجاوزت 50 مليار دينار، 39 مليار دينار منها بالدينار الأردني، مهم في استثمارات محلية استناداً إلى الفرص المتاحة وذات الجدوى، والتركيز على القطاعات الموفرة لفرص العمل والمنتجة للسلع التي يحتاجها السوق والقابلة للتصدير الى جانب الاستغلال الأمثل لتحويلات الأردنيين العاملين في الخارج وتسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية الكبرى والتوسع المناسب في الانفاق الرأسمالي.
الفرص الاستثمارية متنوعة اليوم وجاذبة وتحتاج إلى الترويج والتسويق محلياً وخارجياً، ولم تعد تقتصر على السياحة والصناعة بل تشمل الزراعة والطاقة والبنى التحتية والخدمات والسوق المالي الذي يحقق نتائج غير مسبوقة ببلوغ حجم التداول ببورصة عمان مليار دينار خلال الثلث الأول من العام الجاري.
نتائج الاقتصاد الوطني بمثابة محفزات لاستقطاب مزيد من الاستثمارات والبناء عليها لمزيد من المنعة خلال الفترة المقبلة، والحد من الفقر والبطالة والسيطرة على المديونية وتنشيط بيئة الأعمال، وانتظام عمل سلاسل التوريد بخاصة من المنتجات المحلية وتحقيق فوائض في الإنتاج وعلى الأقل كفاية الاستهلاك الداخلي.
لدى الأردن ما يمكن البناء عليه لتعزيز المنعة الاقتصادية إذا ما استغل العوامل جيدا ودون أي تأخير.
