سبق ظهور «اللوبيات» (1792) في بلاد العم سام اختراع التلفزيون (في ألمانيا 1884) بعقود لكن تطور هذا الأخير (منذ عشرينيات القرن الماضي في أمريكا) فاق ما كان وراء ظهور تلك الشخصيات التي كان يوفدها أو يستأجر خدماتها أصحاب المصالح للتأثير على صناع القرار في المطبخ الاقتصادي ومن ثم السياسي وحتى الأمني، في العاصمة واشنطن.
ودّعنا الأسبوع الماضي كمشاهدين وكصحفيين، لاسيما المعنيين بالأخبار، القطب الإعلامي الأمريكي الراحل -الصديق المحب للأردن- تيد تيرنر، رحمه الله. كان له الفضل في التأسيس لعالم الأخبار على مدار الساعة -شبكة الأخبار بالكوابل المعروفة اختصارا بـ «سي إن إن»- موظِّفا دور «الكيبيلات» في بث المحتوى الإخباري في المقام الأول بأسلوب مشوّق سردي «القصة الإخبارية»، بدلا من اللاقطات الشبكية الهوائية «الأنتينات»، سابقا بذلك اللاقطات الصاجيّة، تلك الأطباق التي أدت إلى انتشار الفضائيات «فوق الأساطيح»!
بعقلية رجل الأعمال الفذ -المغامر لا المقامر- الذي يحسن فهم ماكينة الإنتاج المجتمعي والفردي، استطاع تحويل الخدمة الإخبارية إلى سلعة، لا تنحصر في المتعة فقط، بل القيمة المعرفية والاتصالية، والأهم إلى قوة ناعمة مؤثرة، فهمت أن التقدم الصناعي والخدماتي الذي فرض العمل بالمناوبات وعلى مدار الساعة بواقع ثلاثة «شيفتات» -أقل أو أكثر- يتطلّب إعادة إنتاج الساعة الإخبارية و»دورة الأخبار» بما يواكب إيقاع أربع وعشرين ساعة، فيها أكثر من ساعة ذروة، بحسب فترات المشاهدة الخاصة بذلك المشاهد-العامل بجميع تلك المناوبات، وبما يراعي فارق التوقيت في أمريكا، والأهم المحتوى الثقافي الاجتماعي لما يحبه الناس ولما ينفر منه الجمهور، في كل ولاية، لا بل وبأخذ الاعتبار السوق الإعلانية لكل مقاطعة، في كل من الولايات الخمسين، فضلا عن تلك المستهدفة بالبث لاحقا، عبر أطباق الفضائيات، ومن بعدُ برمجيات التطبيقات الخاصة بالتلفزيون الذكي والألواح الذكية!
وما كانت صدفة ولا حتى استجابة لحاجة إعلانية، عندما تم تقديم عالم التلفزيون الواقعي إلى الناس. ولا كانت كذلك أيضا برامج التقييم التي يتخذ فيها نجم البرنامج، قرارا بتتويج أو طرد متسابقة أو متسابقا من بين حشد من النجوم الذين يتم اختيارهم، ولاحقا التصفية فيما بينهم بعناية وإثارة، حتى نسمع ونرى تلك المقولة المشهورة التي وظفها ترامب لاحقا في المسرح السياسي الواقعي في ولايتين بأن: أنت مفصول..
تغوّل الواقع الافتراضي وتلفزيون الواقع «رييل تي في» منذ نشوئه في تسعينيات القرن الماضي، تغوّل على الجميع، بمن فيهم أولئك الذين كانوا يتسامرون في بهو فندق ما، فاخر أو ثلاث نجوم، في شارع من شوارع المدينة التي تسمت بأعظم الآباء المؤسسين للعالم الجديد حينها، أول رؤساء أمريكا، جورج واشنطن.
أقول تغول وإلى حد التنمر، وفي حالات ليست بقليلة إلى حد التوحش، على كثير من المعايير والضوابط التي كانت تشكل مادة منطقية معقولة، وليست بالضرورة مستساغة، لما يجري من تشبيك وتفاوض وتحشيد بين الجالسين حول مائدة صغيرة في بهو الفندق أو منضدة «طرابيزة» قد تقتصر على احتساء بضع رشفات من شراب ساخن أو بارد أو مثلج!
لوبيات تلفزيون الواقع الجِدّ خطيرة، لأن «الأبرنتس» المُقيّم لأداء من يظنون إتقان دور الوسيط «اللوبي»، قد يتجاوز الجميع، ويعقد صفقة بلا صخب أو دون مقدمات، صفقة «دييل» ليس بالضرورة الإعلان أو الاحتفال بنتائجها لإرضاء غروره بالنجاح، يعقدها خلسة مع أصحاب المصالح الحقيقيين، أولئك البعيدين عن واشنطن، في أي من تلك الولايات، أو حتى وراء البحار، شرقا وغربا التي طالها طموح أو مصالح أو هواجس الصناع الحقيقيين للصفقات الكبرى، الأعلى ثمنا والأبعد أثرا.
من الآخر، أن تكون لاعبا في عالم كهذا، خير من الجلوس على «الكنب» -في صدر الصالون- انتظارا لنتائج تصفيات تلفزيون الواقع السياسي والاقتصادي كما أراد له المنتج والمخرج أن يظهر!
