آدم راز* – (هآرتس بالعربي) –
“كيف تُفرِّغ قرية من أهلها؟ تقطع أذن أحد العرب أمام الجميع، فيفرّون كلهم. لم تُخلَ قرية من دون طعن أحد في بطنه أو استخدام أساليب مشابهة. انتصرنا فقط بفضل الخوف الذي زرعناه فيهم، وهذا الخوف جاء من أفعال لم تكن وفق القانون”.
مكسيم كوهين، (قائد لواء “كرميلي”)
عمّم قائد كتيبة في لواء غولاني أمرًا خطيًا يقضي بإطلاق النار على كل رجل عاشر في قرية محتلة يُعثر فيها على غرباء، وإعدام جميع الرجال في أي منزل تُكتشف فيه ممتلكات سُرقت من يهود. وفي حالة عرب الذبّح، وهي جماعة بدوية عاشت في الجليل، وجّه تعليمات بألا يُترك أثر: “كل عربي من الذبّح يجب قتله”.
***
من بين الأمور التي تتكرر في الوثائق التي سُمِح الآن بنشرها، تبرز تعليمات واضحة بعدم أخذ أسرى. ويتضح أن تعريف “الأسرى” كان واسعًا جدًا، وامتد أحيانًا ليشمل نساءً وأطفالًا أيضًا. وقد شكلت هذه المسألة جزءًا من خط الدفاع الذي تبنّاه المتهم لاهيس، الذي قال إن نقل سكان القرية التي احتُلّت إلى قاعدة خلفية كان “مخالفًا للأمر” الذي تلقّاه من قائده، والذي نصّ على “أننا لا نحتاج إلى أخذ أسرى، وأن علينا تطهير المنطقة كلها من العدو”.
أفاد ضابط العمليات حاييم بن دافيد من لواء “كرميلي” بأن التعليمات في هذا الشأن نُقلت إلى الجنود شفهيًا، وأن الرسالة كانت واضحة تمامًا. وقال: “كان الأمر مفهومًا للجميع. لم يسأل أحد ماذا يعني ألّا نأخذ أسرى”. وبحسبه، خلال الحرب لم يُعتبر الشبان “مدنيين”، وكان بالإمكان قتلهم. وأوضح الجندي يتسحاق سوروكا أن الأوامر نصّت على قتل الرجال الذين لا يفرّون من القرى. وعندما سُئل عن الأعمار، قال إنه تلقّى في إحدى المرات “أمر مهمة يحدّد السن ابتداءً من 15 عامًا”.
كما تطرّق ضابط استخبارات يُدعى يعقوب د. (حُجب اسمه الكامل عند فتح الوثائق) إلى قتل عرب اعتُقلوا في القرى، وقال: “هذا أمر واضح ومعروف لي من دورة ضباط الاستخبارات -عندما يُقال إنه لا ينبغي أخذ أسرى، فالمقصود ليس طردهم، بل قتلهم”. وأضاف أنه في الحالات التي أُخذ فيها أسرى، جرى قتلهم لاحقًا. وذكر أن القادة تلقّوا توجيهات بقتل من يبقى في القرى، وأن ذلك نُفّذ فعليًا “في أكثر من قرية”.
كثيرًا ما تطرّق الشهود إلى مسألة القانون الدولي. وقال بن دافيد: “كنا نعرف القوانين الدولية، لكنني أعلم أيضًا أننا في مرات كثيرة لم نلتزم بها. استخدمنا وسائل غير قانونية”. ووفق شهادته، جرى ذلك بموافقة القيادة العليا؛ بل وحتى بأوامر منها. وقال مردخاي مكيلِف إن الجنود لم يكونوا يعرفون ما الذي تنص عليه اتفاقية جنيف، بينما أشار قائد اللواء السابع يوسف إيتان إلى أنه ربما وُزّع على الوحدات كتيّب عن “قوانين لاهاي”، “لكننا لم نولِ الأمر اهتمامًا خاصًا”. أما يسرائيل كرمي، قائد كتيبة في اللواء السابع، فأقرّ بأن التعامل مع الأسرى لم يكن “وفق اتفاقية جنيف”، وقال قائد اللواء مكسيم كوهين إنه حتى في أيام “الهاغاناه” صدرت أوامر تقضي بـ”قتل عرب غير مسلحين”.
وأضاف كرمي أنه في بعض الأحيان كانت تُعطى تعليمات “بعدم إثقال كاهل الاستخبارات”، والمقصود بذلك قتل من يتم اعتقالهم. وبالنسبة له، فإن كل “رجل له يدان ورأس يشكّل خطرًا”، وكان يقرر مصيرهم “بحسب الوجوه”، بين الرحمة والهلاك. وإذا انطبعت لديه قناعة بأن الشخص الذي أمامه خطر، كان يقتله في الحال.
إلى جانب قتل الأسرى، تكشف الوثائق في أكثر من حالة عن قتل مدنيين حاولوا العودة إلى قراهم بعد احتلالها. من ذلك مواد محاكمة جرت في العام 1951 وتناولت قتل مدنيين عرب في بلدة مجدل عسقلان -أشكيلون اليوم- في العام 1949. وتمحورت القضية حول جنود من سرية تمركزت في المكان لمنع عودة العرب إلى البلدة. وخلصت المحكمة إلى أن “الجنود كانوا ينفلتون أحيانًا. وكان بينهم من اعتقد أنه حر في أن يفعل بالعرب، خصوصًا المتسللين، ما يشاء”. ووفق شهادات اعتبرتها المحكمة موثوقة، كان قتل العرب “يُعتبر قانونيًا” في نظر الجنود، بل إن من يقتل كان يُنظر إليه بين رفاقه باعتباره “شابًا شجاعًا”.
وتناول الحكم حادثة تسلل فيها شبان عرب إلى مجدل عسقلان لزيارة ذويهم الذين بقوا في البلدة. وقام الجنود الذين ألقوا القبض عليهم بإعدامهم. وبصورة نادرة، وبما أن الأهل بقوا داخل حدود إسرائيل، فقد أدلوا بشهادتهم أمام المحكمة. وقال الأب: “ابني جاء من غزة إلى بيتي في المجدل (عسقلان). قلت له: ’بعد انتهاء حظر التجول سأُسلّمك لليهود‘”. ثم وصف كيف عثر على جثة ابنه: “رأيت طلقات في صدره وثلاث أو أربع رصاصات في رأسه وظهره. أُغمي عليّ وسقطت. وكانت على جسده آثار ضرب”.
***
لم تأت الشهادات التي يوردها هذا التحقيق من فراغ. خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية صدرت موجة من الكتابات التي تناولت تهجير العرب في العام 1948، لكنها لم تتجمع في رواية واحدة متماسكة، ولم تُحدث نقاشًا عامًا واسعًا. وبعض هذه الأعمال لم يُترجم حتى إلى العبرية.
جاءت المواد من مصادر متعددة: دراسات إسرائيلية مثل أبحاث ألون كونفينو وشاي حزكاني، وأخرى فلسطينية مثل أعمال صالح عبد الجواد وعادل مناع؛ وروايات عربية لكتّاب مثل إلياس خوري وسلمان ناطور؛ وتحقيقات صحفية، كان من بينها ما نشرته هاغار شيزاف في هذا الملحق؛ وكتب غير روائية مثل “أرضي الموعودة” My Promised Land لآري شافيت، الذي تناول طرد عرب اللد؛ وأفلام وثائقية مثل “1948 – لنتذكر ولننسَ” لنيتاع شوشاني، و”الطنطورة” لألون شفارتس، و”على جدول الأعمال: محو” لعينات فايتسمان؛ بالإضافة إلى نشاط لمنظمات مجتمع مدني مثل “زوخروت” (ذاكرات) ومعهد “عكيفوت”.
يسرد كتاب آري شافيت، الذي أثار صدى واسعًا في الولايات المتحدة ولم يُنشر بالعبرية، بالتفصيل قضية احتلال اللد استنادًا إلى سلسلة طويلة من المقابلات مع قادة جيش وجنود. ويروي شافيت كيف سقطت المدينة سريعًا، ثم جُمِع آلاف السكان في مسجدين وكنيسة. وفي اليوم التالي دخلت إلى المدينة -عن طريق الخطأ- مدرعتان، ما أشعل موجة جديدة من العنف بعد أن ظنّ بعض السكان أن قوة عربية جاءت لنجدة البلدة. وردّ الجيش بإطلاق نار عشوائي، وإلقاء قنابل يدوية داخل البيوت، وإطلاق قذيفة “فيات” على أحد المسجدين حيث احتمى جمع من الأهالي. ويورد شافيت اعترافًا على لسان الجندي الذي أطلق القذيفة، ويخلص إلى أنه خلال ثلاثين دقيقة قُتل نحو 200 مدني. ثم يضيف أنه بعد أن هدأ إطلاق النار، أمر بن غوريون يغئال ألون بطرد السكان. وينقل أمرًا خطيًا لإسحاق رابين إلى لواء يفتاح، عُمّم بعد ذلك بقليل: “يجب طرد سكان اللد بسرعة، من دون اعتبار لأعمارهم”.
ترد قذيفة “الفِيات” التي يذكرها شافيت أيضًا في مواد محاكمة لاهيس المنشورة هنا. وبحسب قائد الكتيبة، يسرائيل كرمي: “في اللد تم إدخال مئات العرب إلى المسجد وإطلاق قذائف ’فيات‘ إلى داخله”.
ويتطرق فيلم “1948 – فلنتذكر ولننسَ” للمخرجة نيتاع شوشاني إلى ما جرى في اللد. ينقل الفيلم مقطعًا من يوميات مشتركة لجنود في لواء يفتاح: “بعد الإفطار ظهرت فجأة مدرعتان للعدو وبدأتا بالاقتراب. على الفور برزت فوهات البنادق من كل نافذة. تمرُّد. تغلّبنا على العدو، ولكن سقط نحو 15 جريحًا وثلاثة قتلى. اشتعل الرفاق غضبًا، وكانوا مستعدين للقتل في الحال. صدرت أوامر بإجراء تطهير شامل، ونُفّذ التطهير. رائحة نتنة صعدت ولفّت كل زاوية. بقية اليوم مرّت بهدوء نسبي، عدا الفرح الذي صنعناه”.
كما تعرِض شوشاني في فيلمها شهادة قاسية تسلّط ضوءًا إضافيًا على إحدى أكثر وقائع الحرب فظاعة -مجزرة الدوايمة في منطقة “لخيش”. هذه الشهادة، التي سبق أن لفتت انتباه مؤرخين، قام بإخفائها لاحقًا موظفو جهاز الأمن. وهي رسالة كتبها ناشط من حزب “مابام” يُدعى ش. كابلان إلى محرر صحيفة “عال همشمار” إليعزر بيري، ينقل فيها شهادة عيان لجندي اسمه مئير عفرون: “الجندي، وهو من جماعتنا، مثقف وموثوق مائة في المائة، وصل إلى القرية فور احتلالها. لم تكن هناك معركة ولا مقاومة. القتلة الأوائل قتلوا بين 80 و100 عربي، نساءً وأطفالًا. أحد القادة أمر خبير متفجرات بإدخال امرأتين عربيتين مسنتين إلى منزل معين وتفجيره عليهما. وتفاخر جندي آخر بأنه اغتصب امرأة عربية ثم أطلق النار عليها. امرأة عربية كانت تحمل رضيعًا لم يتجاوز يومه الأول أُجبرت على أعمال التنظيف. أبقوها تخدمهم ليوم أو يومين، ثم أطلقوا النار عليها وعلى طفلها”.
وأضاف فيلم وثائقي آخر هو “الطنطورة” للمخرج ألون شفارتس معطيات مهمة حول المجزرة التي وقعت في القرية الساحلية. يعرض شفارتس في فيلمه شهادات مباشرة. وقال أحد قدامى لواء ألكسندروني: “لم أتحدث مع أحد عن ذلك. ماذا أقول؟ أنني كنت قاتلًا؟”. وجاء في شهادة أخرى: “أحدهم أخذهم وقتلهم داخل الحظائر. ما جرى في الطنطورة كان فوضى مرعبة”. وقال شاهد ثالث ببساطة: “قُتل كثيرون. أنا دفنتهم”.
وفيما تناول عدد من المخرجين اليهود النكبة في أفلام وثائقية، اختار كتّاب عرب أن ينقلوا ذاكرة الناجين من خلال الأدب. وقد أتاح هذا الشكل السردي، الخالي من الهوامش والمراجع، لمؤرخين إسرائيليين التنصل من تلك الشهادات ووصمها بعدم الموثوقية. في كتابه “الذاكرة تحدّثني وترحل” الذي صدر قبل نحو عقد، قدّم سلمان الناطور مشهد إعدام يكاد يطابق ما ترويه الوثائق التي يستند إليها هذا التحقيق. في المقطع المترجم إلى العبرية بقلم يهودا شنهاف-شهراباني، يُروى ما حدث في قرية دخلها جنود لتوّهم:
“ارفعوا أيديكم!” رفعوا أيديهم. “اركعوا!” ركعوا على الأرض. “قفوا!” وقفوا. “سلّموا السلاح!” لم يكن معهم سلاح. “أنت، وأنت، وأنت، وأنت. تعالوا معي”.
أربعة شبان لم يبلغوا الثلاثين. أُمر أحد الجنود بأن يأخذهم بعيدًا. ابتعد بهم نحو خمسين مترًا. “ارفعوا أيديكم. وجوهكم إلى الحائط”. تراجع خطوات قليلة وضغط الزناد. سُمع همس: “اصمتوا… اصمتوا يا حمير”.
طَلْقة. أخرى. ثالثة. رابعة. وبعد لحظات كانت الجثث ممددة أمام الأعين.
وهذه شهادة أخرى، تكاد تكون انعكاسًا مباشرًا، لجندي عن مجزرة حولا، من محاكمة لاهيس: “الملازم أول شموئيل لاهيس طلب مني خمسة عشر رجلًا من السكان العرب. انتقى الشبان بنفسه. قال لي أن آخذهم إلى بيت منفرد في القرية. كان قائد السرية يحمل مسدسًا ورشاش ’ستِن‘، وأنا كانت معي بندقية. عندما وصلنا، أبلغتهم بأمره أن يولّوا وجوههم إلى الحائط. استداروا نحو الحائط. ثم طلب مني لاهيس أن أسألهم أين السلاح. قالوا إنه لا سلاح لديهم. عندها بدأ يطلق النار عليهم بالستِن. أطلق رشقات متتالية، وكانوا يصرخون ويتوسلون، ثم سقطوا أرضًا. الصراخ والتوسلات لم تؤثر في أحد”.
وفي شهادته قال لاهيس إن قائد الكتيبة، أبراهام بيلِيد قرر أن السَّرية “ستخرج لتثأر لرفاقها”. ولاهيس نفسه توجّه إلى الجندي إفرايم هوبرمان قائلًا: “إذا أردت الانتقام، ما يزال هناك عرب أحياء، خذهم وانتقم”.
في كتابه “مولدِت يِكارا (أي: وطني العزيز) – حرب 1948: الرسائل المحجوبة”، يورد المؤرخ شي حزكاني رسالة خاصة لجندية زارت الجليل، والتي تسلط ضوءًا آخر على مناخ الانتقام. كتبت الجندية: “احتلال كهذا لم يفعله الشيطان، الجثث بلغت حد الركبتين”. وانتقدت سلوك الجنود ووصفت ما جرى بأنه “وحشية مروعة”، لكنها أضافت أنها تتفهمهم بسبب ما عاناه “المستوطنون الأوائل في الجليل. من حقهم أيضًا أن ينفجروا ويقتلوا هكذا، بدافع الانتقام واللذة”.
***
اطّلع القراء بالعبرية المهتمون بتاريخ الحرب على أعمال مؤرخين ومخرجين وثائقيين إسرائيليين. ولكن ماذا عن كتّاب التاريخ الفلسطينيين؟
لسنوات طويلة أحجم الباحثون الفلسطينيون عن جمع الشهادات والخوض في فظائع الحرب. وقد تعددت الأسباب: الانشغال بالصمود والبقاء في السنوات التي تلت التهجير؛ تركيز الجهد على النضال والعمل الوطني؛ الخشية من ملاحقة إسرائيل لمن يتكلم؛ الشعور بالعار؛ بالإضافة إلى تشتّت الشعب الفلسطيني في أنحاء العالم، من الشرق الأوسط إلى تشيلي. ومع مرور عقود على النكبة، برز من الفلسطينيين باحثون بادروا إلى توثيق شهادات الناجين، وكسروا ذلك الصمت الطويل.
في العام 2017 صدر بحث للمؤرخ الفلسطيني المقيم في إسرائيل، عادل مناع، بعنوان: “النكبة والبقاء: قصة الفلسطينيين الذين ظلّوا في حيفا والجليل 1948-1956”. وخلص مناع في كتابه إلى أن “المجازر التي ارتُكبت في ’عملية حيرام‘ نُظِّمت من الأعلى، وكان هدفها دفع السكان إلى الفرار”. وقد انتقد المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس الكتاب، مدعيًا أنه “لا سند لدى مناع يربط بين هذه الأمور”. غير أن الأدلة التي تتراكم تباعًا تشير إلى أن مناع كان على حق: بادر الجيش إلى ارتكاب مجازر وعمليات قتل لتسريع هروب السكان. وكما قال مردخاي مكيلِف في شهادته: “كان لا بد من عنصر رعب أولي كي يرحلوا”.
ولكن، ما مدى اتساع حمّام الدم هذا؟ أحصى موريس 24 مجزرة. وقدّر كاتب هذه السطور في ملحق هذه الصحيفة سابقًا أن العدد يدور حول عشرات كثيرة. واليوم يبدو أن ذلك التقدير كان حذرًا ومحافظًا أكثر مما ينبغي.
من أبرز الدراسات حول النكبة كانت تلك التي أنجزها فريق باحثين من جامعة بير زيت بقيادة المؤرخ الفلسطيني صالح عبد الجواد. وقد اعتمد بحث عبد الجواد، الذي استمر لسنوات، على 300 مقابلة مطوّلة مع ناجين أُجريت منذ أواخر التسعينيات. بل إن الباحثين قرروا أن تُؤخذ الشهادات تحت القسم. ثم جرى رصد تقاطع الروايات بعضها مع بعض، ومقارنتها بوثائق متنوعة. في البداية قدّر عبد الجواد عدد المجازر بأكثر من 70. لكنه أصبح يؤكد في السنوات الأخيرة، في دراسة متابَعة استندت إلى مصادر إضافية وشهادات جديدة، أن عددها لا يقل عن 100 مجزرة. أي أن واحدة من كل خمس قرى احتُلّت شهدت ذبح مدنيين.
ويمكن تصنيف هذه المجازر إلى ستة أنماط: قتل واسع وشامل (الدوايمة)؛ قتل عشوائي أثناء الاحتلال (بئر السبع)؛ قتل متعمّد بدافع الانتقام لمقتل مقاتلين (بلدة الشيخ)؛ إعدام انتقائي لمجموعة من الرجال المدنيين أمام الجدران (مجد الكروم)؛ إعدام جميع الأسرى الرجال (حولا)؛ وقتل مدنيين حاولوا العودة إلى بلداتهم (مجدل عسقلان).
تتيح الأدبيات البحثية الحديثة رسم خريطة لجزء كبير من المجازر بدرجة عالية من اليقين. وفي ما يلي قائمة جزئية بأبرز الحوادث: أشدّ ثلاثة أحداث دموية، قُتل في كل واحد منها 100 مدني أو أكثر، وقعت في دير ياسين، والدوايمة، واللد. ستّ مجازر أخرى حصدت ما بين 50 و100 ضحية: في الجشّ عند سفوح جبل ميرون، وفي صفصاف وعين الزيتون في منطقة صفد، وفي صالحة على الحدود اللبنانية، وفي أبو شوشة بمنطقة الرملة، وفي قرية برير شمالي غزة. وقد ذُبح عشرات المدنيين أيضًا في الطنطورة، وبئر السبع، وكفر عنان في منطقة صفد، والطيرة في منطقة حيفا، وحولا على الحدود اللبنانية. وسجل مقتل نحو عشرين ضحية في عيلبون غرب بحيرة طبريا، وفي ناصر الدين قرب طبريا، وفي قرية صبارين المجاورة لحيفا، وفي البصّة شمالي عكا، وفي تجمّع بدوي كان قائمًا جنوب عكا. ومن المجازر البارزة الأخرى ما وقع في مجد الكروم، وكفر سابا، وفي رحوفوت (في قرية زرنوقة)، وجنوب نهاريا، وبالقرب مما أصبحت كيبوتسات: كابري (قرية الكابري المهجرة)، وكيبوتس نغبا، وكفار مناحم.
قبل أربعة أعوام نُشرت مختارات من الشهادات التي جمعها فريق صالح عبد الجواد في كتاب بعنوان: “أصوات النكبة: تاريخ حي لفلسطين” Voices of the Nakba: A Living History of Palestine. وتقلب قراءة هذا العمل الأحشاء وتبعث على الغثيان، وتتقاطع مع شهادات من الجانب الإسرائيلي نفسه. وبالاستناد إلى هذه الروايات، حدّد عبد الجواد نمطًا متكررًا أثناء علمية الاحتلال، يتألف من أربع مراحل: تطويق القرى من ثلاثة اتجاهات مع بثّ رعب شامل عن طريق إطلاق النار والقصف؛ فتح ممرّ للفرار نحو الدول المجاورة؛ قتل من بقي من السكان، ولا سيما الرجال والفتيان بين 16 و50 عامًا؛ ثم تفجير المباني وإحراقها عمدًا، أحيانًا بينما كان بعض السكان ما يزالون في داخلها. تلك أيضًا صفحة من إرث حرب الاستقلال.
***
تكاد تمرّ الآن ثمانية عقود على تلك الوقائع الدامية. ومع ذلك، ما تزال هناك هوّة سحيقة في إسرائيل تفصل بين الذاكرة والصورة الذاتية من جهة، والواقع من جهة أخرى. جرائم الحرب تُخفى وتُقمع، وثقافة صمت تُسدِل ستارها عليها. وإلى حدّ بعيد، يبقى الاعتراف بجرائم الماضي -وبالإنكار الذي رافقها- شرطًا لفهم حاضر إسرائيل. إن مجتمعًا يخفي وينكر طوال أجيال ما اقترفه من مجازر وقتل وتهجير، يسهل عليه أن يغمض عينيه عمّا كان يجري في غزة خلال العامين الأخيرين.
هذا الخلل في الذاكرة الجمعية لم ينشأ صدفة، ولا يمكن تعليق المسؤولية على كتب التعليم وحدها. إنه موقف المنظومة بأكملها: السياسية، والقضائية، والإعلامية. حتى الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية شاركت، بدرجات متفاوتة، في سياسة الإخفاء والإنكار -أحيانًا بدافع التماهي، وأحيانًا بدافع الكسل أو اللامبالاة.
كما كان الأمر آنذاك، ما يزال كذلك اليوم أيضًا: يُقتل “غير المتورطين”؛ تُوارى الجرائم، ويجري تجنُّب تقديم المسؤولين للمحاكمة. هذه هي القاعدة منذ ذلك الحين وحتى الآن. لقد تسببت إسرائيل في مقتل نحو مائة ألف فلسطيني في غزة، ومع ذلك لم يتم توجيه الاتهام إلى جندي واحد بتهمة القتل أو التسبب بالموت. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، قُدِّم جندي واحد فقط للمحاكمة بتهمة النهب. وقد غذى إنكار جرائم 1948 عقودًا طويلة من الصراع. فما الذي سيجلبه علينا إنكار جرائم غزة؟
*آدم راز Adam Raz: مؤرخ وباحث إسرائيلي مختص بتاريخ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعضو بارز في “معهد عكيفوت لأبحاث الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني”، حيث يشارك في جمع وتحليل الوثائق الأرشيفية المتعلقة بتاريخ إسرائيل والسياسات الأمنية. يركّز في أعماله على قضايا الذاكرة التاريخية، والرقابة، وكشف المواد المحجوبة في الأرشيفات الرسمية، لا سيما ما يتعلق منها بحرب 1948 وتعامل الدولة مع الفلسطينيين. نشر عددًا من الكتب والدراسات التي تتناول موضوعات مثل الرقابة العسكرية، ونهب الممتلكات الفلسطينية بعد النكبة، والسياسات الإسرائيلية تجاه العرب داخل إسرائيل. كما يكتب مقالات وتحقيقات في صحيفة “هآرتس”. يُعرف بمساهماته التي تعتمد على وثائق أصلية وتسلّط الضوء على جوانب حساسة ومثيرة للجدل في التاريخ الإسرائيلي.
