عروبة الإخباري –
ليست كل الحكايات تُروى، فبعضها يُحسّ… وبعض الأرواح لا تعبر الحياة مرورًا عاديًا، بل تترك أثرها كنسمةٍ دافئة في زمنٍ مثقل بالتعب. هكذا تبدو سيرة الدكتورة ابتهال سعود، المولودة في المملكة المتحدة، حيث لا تنفصل المهنة عن الشغف، ولا ينفصل العقل عن القلب.
في يدٍ، علمٌ يُقاوم الألم ويمنح الجسد فرصة أخرى للحياة… وفي الأخرى، لونٌ يُرمم ما تكسّر في الروح، ويعيد ترتيب الحكايات بصمتٍ يشبه الضوء. بين الطب والفن، لا تختار ابتهال طريقًا واحدًا، بل تمضي في كليهما كمن يعرف أن الإنسان لا يُشفى تمامًا إلا حين يُفهم… ويُعبَّر عنه.
إنها ليست مجرد سيرة نجاح، بل قصيدة إنسان… كُتبت بين نبضٍ ولوحة، بين وجعٍ وأمل، لتقول إن الحياة، مهما أثقلت، قادرة دائمًا أن تُزهر.
وفي مشهدٍ إنسانيٍّ يتسارع فيه كل شيء، وتُختصر فيه التجارب العميقة بعناوين سريعة، تبرز شخصيات نادرة تعيد صياغة المعنى الحقيقي للتميّز… شخصيات لا تُعرَّف بمهنة واحدة، ولا تُقاس بإنجازٍ منفرد، بل تُقرأ كحكاية متكاملة من العطاء والشغف والوعي. ومن بين هذه النماذج، تتجلّى الطبيبة والفنانة التشكيلية الدكتورة ابتهال سعود كواحدة من تلك القامات التي يصعب اختزالها في تعريف واحد.
وُلدت في المملكة المتحدة، لكن جذورها وتجربتها امتدت لتنسج هوية غنية ومتعددة الأبعاد، جمعت بين العلم والإحساس، وبين الصرامة المهنية والحرية الإبداعية. منذ دراستها في كلية الطب بجامعة بغداد، لم يكن الطب بالنسبة لها مجرد تخصص، بل كان اختيارًا واعيًا للوقوف في الصف الأول دفاعًا عن الإنسان، في أكثر لحظاته هشاشة.
في بداياتها المهنية بمحافظة الأنبار، ثم في مستشفيات بغداد كطبيبة أقدم، خاضت تجربة ميدانية حقيقية، واجهت فيها تحديات الواقع، واكتسبت خبرة لا تُمنح في الكتب، بل تُصقل في الميدان. هناك، تبلور بداخلها ذلك الحس الإنساني العميق، الذي سيصبح لاحقًا أحد أهم ملامح شخصيتها المهنية والفنية على حد سواء.
ومع انتقالها إلى عمّان عام 2005، وانضمامها إلى مركز الحسين للسرطان، بدأت مرحلة جديدة من العطاء المتخصص. في مجال الكشف المبكر عن السرطان، وضمن عيادة الإقلاع عن التدخين، لم تكن تمارس دورًا تقنيًا فحسب، بل كانت تقدم نموذجًا للطبيب الذي يجمع بين العلم والاحتواء، بين التشخيص والدعم النفسي، بين المعرفة والرحمة. إنها تلك المساحة التي يتحول فيها الطب من مهنة إلى رسالة، ومن إجراء إلى موقف إنساني عميق.
وقد عزّزت هذا المسار بحصولها على دبلوم في الرعاية التلطيفية وعلاج الألم من الجامعة الألمانية في عمّان، وهو تخصص يعكس وعيًا استثنائيًا بقيمة تخفيف المعاناة، واحترام كرامة الإنسان في مختلف مراحل المرض.
لكن، وعلى امتداد هذه الرحلة، لم يكن الإبداع بعيدًا عن حياتها… بل كان حاضرًا بقوة.
في الفن التشكيلي، تقدّم الدكتورة ابتهال سعود تجربة مختلفة، لا تعتمد على الشكل وحده، بل على الإحساس والمعنى. لوحاتها ليست مجرد أعمال بصرية، بل انعكاسات صادقة لتجربة إنسانية عميقة، تشكّلت في عيادات الطب كما تشكّلت في لحظات التأمل. إنها ترسم ما لا يُقال، وتُلوّن ما لا يُرى، وتمنح للمشاعر لغة تتجاوز الكلمات.
وقد تجلّى هذا الحضور في مشاركاتها الواسعة في معارض فنية متعددة، من بينها معارض الفنانات التشكيليات العراقيات، ومبدعات تشكيليات عراقيات، والمعرض الفني العراقي الأردني المشترك، إضافة إلى مشاركاتها في معارض رواق الفحيص وجمعية البلقاء للفنون التشكيلية في السلط، ومهرجان “لون كلمة نغم” الثقافي، وغيرها من الفعاليات التي أكدت حضورها كصوت فني يحمل خصوصيته ورسالته.
ولا يتوقف عطاؤها عند حدود الرسم؛ فهي تعزف على آلة البيانو، وتكتب الخواطر، وتمارس التصوير الفوتوغرافي بعينٍ إبداعية تلتقط الجمال في أدق التفاصيل، وكأنها تُصرّ على أن تعيش الحياة بكل لغاتها الممكنة: لونًا، وصوتًا، وكلمةً، وصورة.
إن الدكتورة ابتهال سعود ليست مجرد طبيبة ناجحة، ولا مجرد فنانة مبدعة، بل هي نموذج حيّ للإنسان الذي استطاع أن يصنع توازنًا نادرًا بين العقل والقلب، بين العلم والفن، بين الواجب والشغف.
هي قصة تُروى لا لأنها مختلفة فقط، بل لأنها صادقة… ولأنها تُثبت أن الإنسان، حين يمتلك الإيمان بما يفعل، قادر على أن يترك أثرًا يتجاوز الزمن والمكان.
وهنا، تحديدًا، تكمن فرادتها… في ذلك الأثر الذي لا يُرى فقط، بل يُحسّ.
