في موازاة الحرب القائمة حالياً ومرحلة المفاوضات الحالية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وما ينبثق عن ذلك من نقاشات وسيناريوهات عن اليوم التالي؛ هنالك مفاوضات لا تقل أهمية وديناميكيات هائلة تتشكّل في المنطقة، لكن في جانب آخر وهو الاقتصادي بخاصة ما يتعلّق بالمشروعات الاقتصادية الكبرى وما يرتبط بها من خطوط وشبكات الإمداد اللوجستية، أصبحت محل اهتمام العالم بأسره، ومشروعات سكك حديد وقطاعات النقل والبنى التحتية، وهي وإن كانت في ظاهرة اقتصادية وتنموية وخدماتية إلاّ أنّها لا تنفصل عن تصورات استراتيجية وسياسية للمنطقة، بخاصة المعركة الكبرى التي تقع في خلفية المعارك الثانوية الحالية في العالم، والمقصود بها معركة الانتقال في النظام العالمي والصراع الأميركي- الصيني.
قبل أيام وقّع الأردن ودولة الإمارات مشروع سكة حديد العقبة، الذي يتضمن إنشاء شبكة سكك حديديَّة بطول 360 كيلو متراً تربط مناجم الفوسفات والبوتاس بالميناء الصناعي، عبر مسارين رئيسيين يخدمان مواقع الإنتاج في منطقتيّ الشيدية وغور الصافي، وهو كما تخطط الحكومة الأردنية بمثابة حجر الأساس في مشروع وطني متكامل للسكك الحديدية يقوم على ربط ميناء العقبة بموانئ سوريا والمتوسط.
في الوقت نفسه بدأت النقاشات والمفاوضات بين تركيا وسورية لبناء شبكة سكك حديدية بين البلدين، لتمتد لاحقاً فتشمل الأردن والسعودية لتعزيز خطوط النقل اللوجستي للبضائع، فضلاً عن الخطط والمفاوضات الموازية المرتبطة بدول أخرى في المنطقة، مع وجود تصورات استراتيجية إقليمية تنافسية أيضاً، ولعلّ أبرز هذه المشروعات هو مشروع IMEC الذي يقوم على ربط منطقة الشرق الأوسط بأوروبا بمشروعات كبيرة من البنية التحتية وينظر له بوصفه منافساً لمشروع الحرير الصيني عالمياً، وإن كان الأول هو الأكثر تركيزاً على المنطقة العربية، بينما تظهر مشروعات وتصورات فرعية متعددة، مثل المشروع التركي- السوري- السعودي- الأردني، من هذه المشروعات ما يأخذ مساراً عرضياً ومنها ما يأخذ مسارات طولية في منطقة الشرق الأوسط.
هنالك، إذن، ترتيبات جديدة في المنطقة ومهمة ورئيسية العنوان الرئيس لها الاقتصاد وفي قلبه خطوط الإمداد اللوجستي، وهي مسألة لا تنفصل – كما ذكرنا- عن طبيعة التحول في النظام العالمي والانتقال إلى الصراع الاقتصادي بين أميركا والصين، وما يتعلّق به من صراعات وفك وتركيب التحالفات العالمية، وعبر ذلك يمكن أن نفهم كيف تنظر الصين إلى هذه التطورات، كما حدثني سياسي صيني مطّلع، إذ ترى أنّ الحروب التي يشنها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في فنزويلا وفي إيران وحرصه على السيطرة على جزيرة غرينلاند كجزء من الصراع الجيو اقتصادي العالمي مع الصين، وينعكس ذلك على سياساته تجاه حلف الناتو والعلاقة مع أوروبا، التي تجد نفسها هي الأخرى على مفترق طرق في إعادة ترسيم علاقتها مع أميركا وفي تعريف مصالحها الاقتصادية، وربما هذا قد يؤدي لاحقاً لتغيير معايير التحالف والصداقة والتنافس والعداء بين القوى الكبرى في العالم.
في ضوء ذلك كلّه؛ أين يقع الأردن وكيف يتموضع وما هو الإطار الذي من خلاله تأطير تصوراته للمرحلة الإقليمية القادمة، وهو ما يعيد طرح السؤال الأكثر أهمية؛ ما هي المكانة الإقليمية ودور الأردن في المنطقة في المرحلة القادمة؟ مع التحولات والتغييرات الكبرى التي نراها؟..
بالعودة إلى التشابك بين المشروعات الاقتصادية والسياقات السياسية والاستراتيجية يأتي النقاش حول العلاقة بين بعض هذه المشروعات والاتفاقيات الإبراهيمية التي تقوم – في الأساس- على مفهوم «السلام من أجل الازدهار»، بما يتجاوز التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، وتحويلها من ملف سياسي إلى إدارة حياة يومية ضمن المخططات الاقتصادية، وهو التصور الذي يتعارض جوهرياً مع المنظور الأردني للقضية الفلسطينية والمصالح الاستراتيجية الأردنية، لكن في المقابل هنالك مخططات اقتصادية وبنية تحتية ستدخل إسرائيل عنوة في هذه المشروعات؛ وهو ما يعيد طرح السؤال عن خيارات الأردن الاستراتيجية وأولويات المصالح؛ والمفاضلة بين هذه الخيارات وفقاً للاعتبارات السياسية والاقتصادية معاً؛ وربما هذا وذاك يطرح البديل التركي- السعودي- الأردني – السوري- المصري أو ما يطلق عليه مشروع «البحار الأربعة» (ويمكن متابعة ما يكتبه الناشط الشاب عبدالله السحيم السرحان على صفحته على موقع الفيس بوك عن هذه المخططات والمشروعات، فهو متابع ومحلل جيد لها) بوصفه مشروعاً استراتيجياً وحيوياً يشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية.
