يستعد الفنان التشكيلي خليل الكوفحي لإقامة معرض فني يجسّد فيه جماليات المكان في لواء بني عبيد، وذلك بمناسبة إطلاق لواء بني عبيد لواءً للثقافة الأردنية لعام 2026، في خطوة فنية توثيقية تحتفي بالمكان والإنسان والذاكرة.
ويأتي هذا المعرض بوصفه مشروعًا بصريًا متكاملاً، يقدّم من خلاله الكوفحي قراءة تشكيلية عميقة لتفاصيل البيئة المحلية، حيث تتحول الحقول والبيوت القديمة، والتلال الممتدة، وأزقة القرى، إلى لوحات نابضة بالحياة، تنطق بالألوان وتعكس روح المكان ودفء أهله. ولا يقف الفنان عند حدود المشهد الطبيعي، بل يتجاوز ذلك ليغوص في البعد الإنساني، مستحضرًا ملامح الوجوه التي تحمل في تفاصيلها تاريخًا من البساطة والكفاح والانتماء.
سحر الطبيعة
وتتجسد في لوحات الكوفحي سحر الطبيعة الخلابة، إلى جانب حضور المساجد والكنائس التي تعكس حالة التلاحم المجتمعي، خاصة في بلدتي الحصن وشطنا، حيث يقدّم الفنان مشاهد بصرية تحمل رسائل عميقة عن التعايش والوحدة. ويستخدم في ذلك تقنيات الرسم بالألوان المائية الشفافة، إلى جانب الرسم بريشة الحبر على الكرتون، في أعمال تعبّر عن احترافية عالية وقدرة لافتة على امتلاك أدواته الفنية بإتقان.
كما جسّد الفنان الكوفحي جماليات المكان في مختلف بلدات اللواء بكل تفاصيلها، مثل النعيمة، وشطنا، وإيدون، وكتم، وبلدة الحصن، والصريح، ومخيم الشهيد عزمي المفتي، حيث نقل خصوصية كل منطقة بروحها المختلفة، مبرزًا تنوّع المشهد المكاني والإنساني في لواء بني عبيد. وقد استطاع من خلال هذه الأعمال أن يوحّد هذا التنوع ضمن رؤية فنية واحدة، تعكس عمق الانتماء وثراء الهوية المحلية.
هوية ثقافية
ولا تقتصر أهمية هذه الأعمال على بعدها الجمالي، بل تمتد لتؤسس لحالة من التوثيق البصري للهوية الثقافية والاجتماعية في لواء بني عبيد، حيث تتحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى عناصر فنية ذات دلالات عميقة. فكل لوحة تبدو كأنها نافذة مفتوحة على ذاكرة المكان، تستدعي الحكايات القديمة وتعيد صياغتها بلغة اللون والضوء.
كما يحرص الكوفحي على إبراز التناغم بين العناصر الطبيعية والمعمارية، في صياغات تشكيلية تتسم بالهدوء والاتزان، وفي الوقت ذاته تحمل طاقة تعبيرية عالية، تجعل المتلقي يعيش تجربة حسية وبصرية متكاملة. ويظهر ذلك بوضوح في تعامله مع الظلال والفراغات، وتوظيفه المدروس للون بما يعزز الإحساس بالعمق والحياة داخل اللوحة.
ومن المتوقع أن يشكّل هذا المعرض محطة فنية بارزة، تسهم في إبراز لواء بني عبيد كوجهة ثقافية وفنية، وتعزز من حضور الفن التشكيلي كأداة فاعلة في التعبير عن هوية المكان وتراثه. كما يمثل دعوة مفتوحة للمهتمين بالفن لاكتشاف جماليات هذا اللواء، والتفاعل مع تجربة فنية تنبض بالصدق والانتماء.
وفي هذا السياق، يؤكد الكوفحي أن أعماله تنبع من علاقة وجدانية عميقة بالمكان، وأن كل لوحة هي انعكاس لتجربة إنسانية عاشها أو تأثر بها، مشددًا على أن الفن الحقيقي هو ذلك القادر على ملامسة الروح قبل العين، وعلى تحويل التفاصيل الصغيرة إلى معانٍ كبيرة تبقى في الذاكرة.
