عروبة الإخباري –
الصحفية اللبنانية، ندى عبد الرزاق، هي ليست مجرد اسم يمرّ في صفحات الصحافة اليومية، بل هي حالة كتابة تتشكّل بهدوء، وتفرض نفسها عبر التراكم لا الضجيج، وعبر المضمون لا الاستعراض، وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات وتتشابه فيه الصياغات، يشرق شمس قلمها كمسار مختلف: أكثر اتزانًا، أكثر اشتباكًا مع الواقع، وأكثر قدرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى مادة تستحق التأمل لا القراءة العابرة.
ما يلفت في تجربتها الصحفية أنها لا تتعامل مع الخبر كمنتج جاهز، بل كمساحة مفتوحة للفهم. هناك دائمًا محاولة واضحة لتفكيك الحدث إلى عناصره الأساسية، ثم إعادة تقديمه بطريقة تكشف ما وراءه: البنية الاجتماعية، الأثر الإنساني، والتشابكات التي لا تظهر في العنوان الأول. هذا النوع من المعالجة لا يقوم على النقل، بل على إعادة البناء، وهو ما يمنح النص عندها قيمة إضافية تتجاوز الوظيفة الإخبارية التقليدية.
في أسلوبها اللغوي، يظهر توازن دقيق بين البساطة والعمق. لا تميل إلى التعقيد المصطنع، ولا تقع في فخ التبسيط المخل. الجملة عندها محسوبة، واضحة، لكنها تحمل طبقات من المعنى تظهر تدريجيًا مع القراءة. هذا النوع من الكتابة ليس سهل التكوين، لأنه يتطلب وعيًا لغويًا ومهنيًا قادرًا على ضبط الإيقاع دون فقدان الروح.
على مستوى اختيار المواضيع، فهناك حسّ واضح بالانحياز إلى ما هو “حيّ” في المجتمع: التعليم بما يحمله من أزمات وتحولات، القضايا الاجتماعية التي تمسّ الناس مباشرة، الملفات الاقتصادية التي تنعكس على تفاصيل الحياة اليومية، إضافة إلى موضوعات تلامس التحولات الحديثة مثل التكنولوجيا وتأثيراتها. لكنها لا تكتفي باختيار الموضوع، بل تحدد زاوية دخوله بعناية، وكأنها تبحث دائمًا عن السؤال الذي لم يُطرح بعد.
ومن اللافت أيضًا أن كتاباتها لا تسعى إلى فرض رأي بقدر ما تسعى إلى فتح مساحة تفكير. القارئ لا يشعر أنه أمام خطاب جاهز أو نتيجة محسومة، بل أمام مادة تدفعه إلى إعادة النظر، إلى المقارنة، وإلى طرح أسئلة إضافية. وهذا تحديدًا ما يميز الصحافة التي تُبنى على الفهم لا على التلقين.
يمكن القول إن ما تكتبه ينتمي إلى نمط من الصحافة التي تحاول الحفاظ على “الجوهر الإنساني” داخل المادة الإخبارية، في وقت يتعرض فيه هذا الجوهر للتآكل بسبب السرعة وكثافة الإنتاج الإعلامي. فهي لا تركض خلف الحدث بقدر ما تحاول الإمساك بمعناه، ولا تنشغل فقط بما حدث، بل بما يعنيه وما يخلّفه من أثر.
في المحصلة، تجربة ندى عبد الرزاق تعكس حضورًا صحفيًا هادئًا لكنه ثابت، يعتمد على بناء الثقة مع القارئ عبر الاستمرارية والاتساق، لا عبر الضجيج أو الاستفزاز. وهذا النوع من الحضور هو الأصعب، لأنه لا يُكتسب بسرعة، بل يُصنع بالتراكم، ويثبت مع الوقت كعلامة على قلم يعرف جيدًا أين يقف، وماذا يريد أن يقول، وكيف يجب أن يُقال.
