عروبة الإخباري –
في ظلّ التحوّلات الدقيقة التي يمرّ بها لبنان، ومع تصاعد التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، يبرز سؤال ملحّ:
لماذا لا تبادر الأحزاب التي تُصنّف نفسها “سيادية” إلى تنظيم تظاهرة وطنية جامعة دعماً لرئيس الجمهورية في ساحة الشهداء؟
هذا الطرح لا يأتي من باب الاستعراض الشعبي، بل من منطلق الحاجة إلى إعادة تكوين مشهد وطني جامع يعكس إرادة شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يطالبون بقيام دولة فعلية، سيدة وقادرة. فالرئاسة اليوم، بما تمثّله من موقع دستوري ورمزي، تحتاج إلى حاضنة سياسية وشعبية واضحة، خصوصاً في ظلّ الضغوط الداخلية والتجاذبات الإقليمية التي لا تخفى على أحد.
الأحزاب المذكورة، على اختلاف توجهاتها وتباين أولوياتها، تلتقي نظرياً عند عناوين كبرى: سيادة الدولة، حصرية السلاح بيد الشرعية، واستعادة القرار الوطني. لكن هذا الالتقاء غالباً ما يبقى ضمن إطار الخطاب، دون أن يُترجم إلى فعل ميداني جامع يعيد الثقة للناس ويُظهر تماسك هذا الخيار.
تظاهرة في ساحة الشهداء ليست مجرد تجمّع. هي رسالة سياسية بامتياز: أولاً إلى الداخل، بأن هناك قوة سياسية وشعبية قادرة على التوحّد خلف مشروع الدولة؛ وثانياً إلى الخارج، بأن لبنان لا يزال يمتلك قوى حية متمسكة بسيادته وقادرة على التعبير عنها بشكل حضاري وسلمي.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل الأسباب التي قد تعيق هكذا مبادرة. فالتباينات بين هذه الأحزاب لا تزال عميقة في بعض الملفات، والحسابات الخاصة لكل طرف قد تطغى على فكرة العمل المشترك. كما أن الخشية من الفشل في الحشد أو من استغلال التحرك سياسياً قد تدفع البعض إلى التريث بدل المجازفة.
ومع ذلك، تبقى اللحظة الراهنة فرصة. فالدعم الشعبي لا يُبنى بالبيانات فقط، بل بالفعل على الأرض. وإذا كانت هذه القوى جدية في دعم رئيس الجمهورية ومشروع الدولة، فإن ترجمة هذا الدعم إلى تحرّك وطني جامع قد تكون الخطوة الأكثر صدقية وتأثيراً.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى اصطفافات جديدة، بل إلى لحظة وعي مشتركة. وساحة الشهداء، التي لطالما كانت مرآة التحولات الكبرى، قد تكون المكان الأنسب لإعادة رسم مشهد وطني يُعيد الأمل بأن الدولة لا تزال ممكنة
