عروبة الإخباري
في زمنٍ يترنّح فيه الوطن بين أزماتٍ لا تنتهي، وتتقاذفه الولاءات الضيّقة والمصالح المتشابكة، خرجت حلقة “سقف عالي” كحدثٍ استثنائي لا يشبه ما سبقه… لحظة إعلامية نادرة ارتفعت إلى مستوى القضية، لا الخبر؛ إلى مستوى الوطن، لا المشهد العابر، فقد كانت حلقة تُشبه الانفجار الهادئ في وجه كل ما هو مزيّف، وكل ما هو رمادي، وكل ما حاول طويلًا أن يُبقي لبنان رهينة التردد.
الإعلامية باتريسيا سماحة لم تكن فقط في موقع إدارة الحوار، بل كانت في موقع المواجهة الفكرية والوطنية. بثباتٍ لافت، وبهدوءٍ الواثق، قادت النقاش نحو عمقه الحقيقي، بعيدًا عن السطحية التي أغرقت الإعلام لسنوات. لم تساير، لم تجامل، ولم تخفِ الحقيقة خلف عناوين مريحة. بل فعلت ما هو أصعب: فتحت الباب واسعًا أمام كلامٍ واضح، مسؤول، وصادم في صدقه، لأن الوطن لا يُنقذ إلا بالحقيقة، لا بالمساومات.
وفي قلب هذا المشهد، وقف الصحافي طوني بولس كصوتٍ خارج عن القطيع، صوتٍ يرفض إعادة تدوير الشعارات، ويصرّ على كسر الحلقة المفرغة التي استنزفت اللبنانيين. لم يكن كلامه مجرد تحليل، بل كان موقفًا متكاملًا، رؤيةً متماسكة تُعيد ترتيب الأولويات: الدولة أولًا، السيادة أولًا، مصلحة اللبنانيين أولًا.
جرأة بولس لم تكن استفزازًا فارغًا، بل فعل وعي. حين تحدّث عن ضرورة الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق إنهائه، وحين كسر المحرّمات السياسية التي طالما قُدّست دون مراجعة، كان يعبّر عن شريحة واسعة صامتة، تعبت من دفع ثمن الحروب ومن العيش في ظل أزمات مفتوحة بلا أفق. لقد قالها بوضوح لا يحتمل التأويل: لا يمكن بناء وطن فيما القرار موزّع، ولا يمكن حماية سيادة فيما الولاءات مشتّتة.
إشارته إلى شخصيات مثل جوزيف عون ونواف سلام لم تكن تفصيلًا عابرًا، بل جزءًا من معادلة أكبر: البحث عن أعمدة دولة حقيقية، عن مؤسسات تُعيد الانتظام إلى الحياة السياسية، وعن قيادة تُترجم مفهوم الدولة إلى فعل، لا إلى شعار.
هذه الحلقة لم تكن مجرد مادة إعلامية… كانت لحظة مواجهة وطنية مع الذات. لحظة يُعاد فيها طرح السؤال الأساسي: أي لبنان نريد؟ لبنان الدولة، أم لبنان الساحات المفتوحة؟ لبنان القرار الحر، أم لبنان الرسائل المتبادلة؟
والأهم، أنها كانت إعلانًا صريحًا عن نهاية زمن المواقف الرمادية. ذلك الزمن الذي سمح بتراكم الأزمات، وباستمرار الانهيار تحت عناوين “التوازن” و”الخصوصية”. ما طُرح في “سقف عالي” كان نقيض ذلك تمامًا: وضوح كامل، انحياز كامل، مسؤولية كاملة.
ما قدّمته باتريسيا سماحة مع طوني بولس يتجاوز الإعلام إلى الفعل الوطني. هو استعادة لدور الكلمة كأداة تغيير، لا كوسيلة تبرير. هو تأكيد أن الجرأة ليست ترفًا، بل ضرورة، وأن قول الحقيقة ليس خيارًا، بل واجبًا.
في زمنٍ كثرت فيه الأصوات التي تبرّر الواقع، جاءت هذه الحلقة لتقول: لا. لا للانهيار كأمر واقع، لا للارتهان كخيار، لا للخوف كسياسة. نعم للدولة، نعم للسيادة، نعم للبنان الذي يستحقه أبناؤه.
إنه إعلامٌ حين يكون في أعلى مستوياته… يتحوّل إلى موقف.
وموقفٌ حين يكون صادقًا… يتحوّل إلى بداية طريق.
وهنا بالضبط، تبدأ الحكاية الحقيقية: حكاية وطنٍ يُستعاد… بكلمةٍ جريئة.
