عروبة الإخباري –
ليست كلّ البدايات تُشبه ما بعدها، لكن بعض الأسماء تولد وفي داخلها اكتمالها الأول، كأنها جاءت محمّلةً بسرّها الخاص، الكاتبة والشاعرة حنان جميل حنا واحدة من تلك الحالات النادرة التي لا تُقرأ كسيرةٍ عابرة، بل تُعاش كتجربةٍ ممتدة بين الكلمة واللون، بين الإحساس والتجلي، ومنذ خطواتها الأولى، بدا واضحًا أنها لا تسعى لأن تكون ضمن المشهد، بل أن تعيد تشكيله، وأن تترك أثرًا يتجاوز اللحظة ليصبح ذاكرةً لا تنطفئ.
في زمنٍ يضجّ بالضجيج وتتشابه فيه الأصوات حتى يكاد الصدى يبتلع المعنى، تخرج حنان جميل حنا كوميضٍ لا يُشبه إلا ذاته، كحالةٍ فنية لا تُقاس بمعايير عابرة، بل تُحَسّ كما تُحَسّ القصائد حين تُلامس الروح دون استئذان. ليست مجرد اسمٍ يُذكر، بل أثرٌ يُترك، وبصمةٌ تمتدّ في الذاكرة كضوءٍ لا يخفت.
فحنان ليست كاتبةً فحسب، بل كيمياء لغوية قادرة على تحويل الحروف إلى كائنات نابضة. في نصوصها، لا تقرأ… بل تُسحَب إلى عوالم تُشبهك أكثر مما كنت تظن، هي التي تُمسك بالتفاصيل الصغيرة، تلك التي تمرّ بنا دون أن ننتبه، فتعيد صياغتها بدهشةٍ تجعل من العادي معجزة يومية. كلماتها ليست وصفًا، بل كشفٌ، ليست سردًا، بل انكشاف داخليّ عارٍ من الزيف، صادقٌ حدّ الوجع، جميلٌ حدّ الارتباك.
وحين تضع الكلمة جانبًا، تمسك الريشة كما لو أنها امتدادٌ لنبضها، وفي لوحاتها، لا تُرى الألوان… بل تُسمع. هناك صخبٌ صامت، هناك حوارٌ خفيّ بين الظلال والضوء، بين الحنين والتمرد. كل لونٍ لديها يحمل سرًا، وكل خطٍّ يروي حكاية لا تُقال بل تُحَسّ، وعندما تقف أمام أعمالها، تشعر أنك لست مشاهدًا، بل جزءًا من المشهد، كأن اللوحة تُعيد ترتيبك من الداخل.
هي تلك المساحة النادرة التي يلتقي فيها الأدب بالفن دون تصنّع، حيث تتحول الجملة إلى شكل، ويتحوّل الشكل إلى معنى، ويذوب الحدّ الفاصل بين ما يُكتب وما يُرسم. حنان جميل حنا لا تُبدع ضمن قوالب، بل تكسرها، لا تسير في طرقٍ معبّدة، بل تخلق دروبها الخاصة، وتترك خلفها أثرًا لا يُمحى.
واليوم، في عيد ميلادها، لا نقف أمام رقمٍ جديد يُضاف إلى عمرها، بل أمام مجرّةٍ تتسع، اليوم ليس مجرد مناسبة، بل احتفاء بطاقةٍ لا تهدأ، بروحٍ كلما مرّ عليها الزمن ازدادت اشتعالًا لا خفوتًا. ميلادها يشبهها… حدثٌ مدهش، لا يُمرّ عليه مرورًا عاديًا، بل يُحتفى به كما يُحتفى بولادة الضوء.
كل عام وأنتِ تكتبيننا دون أن تدري، وترسميننا كما لم نرَ أنفسنا من قبل. كل عام وأنتِ تلك النار الجميلة التي لا تحرق، بل تُنير، وذلك الوهج الذي لا يُرهق، بل يُلهم. استمري في هذا الجنون الجميل، في هذا الصدق الجارح، في هذا الجمال الذي لا يطلب الإذن ليكون.
عيد ميلادٍ يليق بكِ… وعمرٌ يتّسع لكل هذا الإبداع، وأكثر.
