بعد حرب اكثر من ثلاث سنوات، على جبهة لبنان ادركت إسرائيل استحالة تحقيق امرين، الاول هو استحالة نزع سلاح حزب الله بالقصف الجوي، مهما طال امد هذا القصف، والثاني هو استحالة تنفيذ اجتياح بري كامل للبنان، لنزع سلاح الحزب، فهذا الاجتياح سيكون مكلفاً على كل الصعد، وسيوقع القوات الاسرائيلية في مصيدة حزب الله، وستزداد الخسائر البشرية في صفوف الجيش الاسرائيلي كلما توغل أكثر داخل الاراضي اللبنانية، خاصة المناطق السكنية والجبلية والوعرة، وبناء على ذلك عدّلت في خطتها على الجبهة اللبنانية.
لا تريد إسرائيل تكرار تجربة عام 1982 عندما أنشأت شريطاً أمنياً داخل الاراضي اللبنانية، واقامت مليشيا مسلحة تابعة لها لحماية مستوطنات الشمال، ثم فجأة وجدت إسرائيل نفسها مجبرة على حماية هذه الميليشيات، التي كانت عاجزة أمام عمليات المقاومة، وتحولت إلى عبء على إسرائيل بدل ان تكون عاملاً مساعدًا في حماية حدود إسرائيل.
ما تفكر به إسرائيل اليوم و بدأت بتنفيذه، هو منطقة خالية من السكان على طول الحدود، يتفاوت عرضها بين 4 الى 6 كيلومترات، بحيث يتم هدم 22 قرية وتسويتها بالأرض، بدءاً من الناقورة غرباً وصولاً الى كفركلا وكفرشوبا شرقاً.
يشمل مشروع الهدم الاسرائيلي القرى الحدودية التالية من الغرب الى الشرق: الناقورة، علما الشعب، يارين، طير حرفا، الجبين، ام توتة، عيتا الشعب، (رميش، عين ابل، اضافة إلى دير ميماس وبرج الملوك قرب مرجعيون، وقرية مختلطة هي يارون قرب مارون الراس، هذه القرى المسيحية يتم ضمها داخل الشريط الامني دون هدم)، مارون الراس، عيترون، نبي يوشع، بليدا، محيبيب، ميس الجبل، حولا، مركبا، رب الثلاثين، عديسة، كفركلا، الخيام، الوزاني، المجيدية، كفرشوبا.
تقول مصادر اسرائيلية ان المشروع سيُعرض على الكنيست الاسرائيلي قريباً، واذا تمت الموافقة ستقيم إسرائيل منطقة عازلة، تُشكّل خط الدفاع الاول عن الحدود الشمالية، وتمنع عودة السكان اللبنانيين الى هذه المنطقة، وستقيم بداخلها نقاط تمركز محصنة للجيش الاسرائيلي على التلال الحاكمة، تشرف من خلالها على باقي الأراضي اللبنانية.
وتقول إسرائيل ان هذا السيناريو مشابه لمنطقة الخط الاصفر الذي اقامته في غزة، وسيضمن بشكل دائم عدم عودة حزب الله الى المنطقة الحدودية لتهديد سكان الشمال.
وتأمل إسرائيل بعد فرض هذا الواقع الميداني، ان تتوصل الى تفاهم مع لبنان، يضمن بقاءها في هذه المنطقة، ووقف شامل لاطلاق النار، كما حدث في غزة.
هذه الخطة الاسرائيلية هي الاخيرة تصطدم بعقبة كبرى، بحيث انها تكرس احتلال اراضي لبنانية، مما يعطي الشرعية مجدداً لسلاح المقاومة، وتنفيذ عمليات على المراكز الاسرائيلية داخل الاراضي اللبنانية، وهذا يعني تنازل إسرائيل عن مطلب نزع سلاح حزب الله، الذي سيعيد بناء قدراته العسكرية، مما يضع إسرائيل أمام مواجهة حتمية وحرب أخرى مع الحزب.
كما لا يمكن من خلال هذه الخطة الامنية تأمين حماية مستوطنات الشمال، ولا حتى الداخل الاسرائيلي، طالما يوجد لدى حزب الله مسيّرات وصواريخ بعيدة المدى، تصل إلى اقصى المراكز الاسرائيلية في الجنوب، مثل عسقلان، وديمونا في صحراء النقب.
من الواضح أن أهداف إسرائيل في لبنان هي مستحيلة، ولا يمكن تحقيقها بالقوة، ولا بمزيد من القوة كما يقترح الجناح اليميني المتطرف في حكومة إسرائيل، ولذلك يتحول المشروع الاسرائيلي الى مجرد عملية انتقام من المواطنين اللبنانيين، وجريمة حرب جديدة تُرتكب أمام أعين العالم، الذي ما زال يُحجم عن ادانة الارتكابات الاسرائيلية، المخالفة لكل الشرائع والقوانين الدولية، وتحظى إسرائيل بغطاء كامل من الولايات المتحدة الامريكية، التي تدّعي الحرص على لبنان، فيما لا تحرص سوى على مصالح إسرائيل في هذه المنطقة.
ويبقى السؤال الأهم مَن سيواجه خطة إسرائيل العدوانية وكيف؟ وهل سترسل الخارجية اللبنانية رسالة احتجاج الى الامم المتحدة؟ أم ستكتفي برسالة إعلانها البراءة من الجناح العسكري لحزب الله وبتجريم عملياته!
