في لبنان، باتت ظاهرة تسول الأطفال تشكّل مصدر قلق متزايد على المستويين الحقوقي والاجتماعي، لما تحمله من مؤشرات خطيرة على فشل منظومة الحماية والرعاية، واحتمال تحوّلها إلى بوابة لاستغلال الأطفال ضمن شبكات الاتجار بالبشر، في ظل أزمات متفاقمة تعصف بالبلاد.
السياق القانوني والإطار الدولي
صادق لبنان على اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 تشرين الثاني / نوفمبر 1989، وذلك بموجب القانون رقم 20 تاريخ 30 تشرين الأول / أكتوبر 1990، لتدخل حيّز التنفيذ في 30 تشرين الأول / أكتوبر 1991. وقد التزم لبنان من خلال هذه المصادقة بتطبيق المبادئ الأساسية التي تنص عليها الاتفاقية، لا سيما الحق في الحياة، والبقاء، والنماء، والحماية من العنف والتمييز، وحرية التعبير.
إلا أنّ الواقع الميداني يُظهر فجوة واضحة بين الالتزامات القانونية والتطبيق الفعلي. فالتحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتعددة، لا سيما الأزمات المالية وانهيار مؤسسات الدولة، تضعف قدرة لبنان على تنفيذ بنود الاتفاقية، خاصة في ما يتعلّق بالتعليم المجاني، الحماية من الاستغلال، ومكافحة عمالة الأطفال.
كما أن بعض النصوص القانونية المحلية لا تزال غير متوافقة بشكل كامل مع الاتفاقية، خاصة فيما يتعلق بسنّ الزواج، والعقوبات البدنية، وآليات حماية الطفل من العنف والاستغلال، ما يسلّط الضوء على ضرورة إجراء إصلاحات تشريعية ومؤسساتية تضمن حماية فعلية وشاملة لحقوق الطفل.
التسول القسري كمدخل إلى الاتجار بالبشر
يُعدّ استغلال الأطفال في التسول من أخطر أشكال الانتهاكات، ويقع ضمن نطاق الاتجار بالبشر وفقًا لتعريف بروتوكول باليرمو الملحق باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود. إذ يُعتبر إرغام طفل على التسول – سواء من قبل أسرته أو من قبل جهات منظّمة – استغلالًا مباشرًا لأغراض مادية، وهو ما يصنّفه القانون الدولي جريمة اتجار بالأشخاص.
في العديد من الحالات، لا يكون الطفل المتسول حرًّا في قراره، بل قد يكون قد خُطف أو أُجبر أو أُجّر من قبل عصابات تستغله للحصول على المال، مع حرمانه من أبسط حقوقه الأساسية كالرعاية والتعليم والحماية. تشير شهادات من المجتمع اللبناني إلى وجود “سوق لتأجير الأطفال بغرض التسول”، تديره شبكات إجرامية منظمة تحقق أرباحًا غير شرعية من خلال استغلال ضعف الأطفال وعجزهم.
ظروف غير إنسانية واستغلال متعدد الأوجه
يعاني الأطفال المستغلون في التسول من ظروف قاسية ومهينة. فهم يُجبرون على العمل لساعات طويلة في الشوارع، ويتعرضون لخطر الحوادث والعنف وسوء المعاملة، فضلًا عن الإهمال الصحي والتربوي. وفي بعض الحالات، تُمارس عليهم أشكال أخرى من الاستغلال، مثل الاستغلال الجنسي أو تشويههم عمدًا لإثارة تعاطف المارة.
من الناحية النفسية، يعيش هؤلاء الأطفال في دوامة من الخوف والضغوط النفسية المستمرة، التي تُفقدهم الشعور بالأمان والانتماء، وتُعرّضهم لصدمات نفسية طويلة الأمد. في حالات الاتجار، يُستخدم الإكراه النفسي والجسدي للسيطرة عليهم، وهو ما يضاعف من حجم الأثر المدمر على نموهم وصحتهم العقلية.
آثار تربوية واجتماعية كارثية
إن انخراط الطفل في التسول يعني حرمانه من حقه في التعليم والتنمية والرعاية الصحية، ما يغلق أمامه باب المستقبل ويُبقيه رهينة دائرة الفقر والإقصاء الاجتماعي. غالبًا ما يكون الأطفال ضحايا لتكرار الاستغلال والإهمال، في ظل غياب التدخل المؤسسي الفاعل، وضعف آليات الرصد والحماية.
نحو مقاربة شاملة لحماية الأطفال
تواجه الدولة اللبنانية مسؤولية كبيرة في مواجهة هذه الظاهرة من خلال تعزيز الأطر القانونية وتفعيل دور المؤسسات الاجتماعية والأمنية، بالتعاون مع المجتمع المدني والمنظمات الدولية. فمكافحة تسول الأطفال لا يجب أن تقتصر على المظاهر الأمنية، بل تتطلب معالجة جذرية تشمل الحماية الاجتماعية، والتعليم، وتمكين الأسر الفقيرة، وتفكيك شبكات الاتجار والاستغلال.
ولا بد من وعي مجتمعي حقيقي بأن التسول الذي يبدو بريئًا أحيانًا، قد يكون واجهة لاستغلال منظم وخطير، يدمر حاضر الأطفال ومستقبلهم، ويضرب أسس العدالة والكرامة الإنسانية في المجتمع
