شون أوغرايدي* – (الإندبندنت)
الصراع بين ماسك وترامب يتجاوز الخلافات الشخصية ليهدد مستقبل حركة “ماغا”. ويتمثل التهديد في مشروع ماسك الجديد لتشكيل حزب سياسي قد يعيد رسم خريطة النفوذ في الحزب الجمهوري، ويقلب موازين السياسة الأميركية.
وإذا ما قرر رئيس شركة “تيسلا” تسخير ثروته الطائلة لدعم مرشح رئاسي جديد، فإنه قد يُقدم على ما يتجاوز مجرد تعكير صفو رئاسة ترامب.
***
إذا كانت العلاقة بين أغنى رجل في العالم وأقوى رجل فيه قد وصفت يوماً بأنها “علاقة حب وصداقة”، فإنها تمر الآن، ومعهما نحن جميعاً، بمرحلة تشبه لحظة “تقرب الشريك المهجور من شخص آخر لمجرد إثارة غيظ الطرف السابق”.
وجه إيلون ماسك، مغادراً الحكومة، انتقاداً لاذعاً لما يسميه ترامب بـ”المشروع الكبير والجميل”، وقال “إنه مشروع قانون إنفاق ضخم، فاضح، ومليء بالفساد، إنه عمل مقزز”. وأضاف: “عار على الذين صوتوا لمصلحته، أنتم تعلمون أنكم ارتكبتم خطأ، أنتم تعرفون ذلك جيداً”.
وفي رد غاضب على كلام ماسك، صرخ ترامب على الملأ بأن صديقه المقرب “فقد صوابه”، وانسحب ماسك متمتماً بصوت خافت وكلمات غامضة بشيء عن ملفات جيفري إبستين.
الآن، مع مرور الوقت، اتخذت هذه العلاقة المتقلبة منحى جديداً، حيث وجد ماسك وسيلة مختلفة لإلحاق الأذى بترامب تمثلت في إطلاق حزب سياسي جديد يمكن أن يقوض قبضته المهتزة على الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي المرتقبة في العام المقبل في الولايات المتحدة، بل وربما يشل ولايته الرئاسية بالكامل.
سوف يركز “حزب أميركا” America Party، الذي سيكون مدعوماً عملياً بتمويل شبه غير محدود وتحت إشراف مباشر من ماسك نفسه، جهوده على عدد قليل نسبياً من مقاعد “مجلس الشيوخ” والدوائر الانتخابية في “مجلس النواب” التي يهيمن عليها “الجمهوريون” وأنصار حركة “ماغا”. والهدف هو تغيير ميزان القوى داخل السلطة التشريعية بعيداً عن السياسات المالية الباذخة التي ينتهجها الرئيس الأميركي والتي يصفها ماسك بأنها “انتحارية”، وإعادة الحزب “الجمهوري” إلى مساره التقليدي في تبني سياسة مالية محافظة، حتى وإن بدت سياسة خاسرة.
يزعم ماسك أن “الديمقراطيين” و”الجمهوريين” لا يختلفون في الجوهر، وهو تصريح سيفاجئ، بلا شك، كثيراً من السياسيين “الديمقراطيين” الذين سبق أن هددهم ترامب علناً بالسجن. وبحسب ماسك، فإن “حزب أميركا” سيكون الجهة الوحيدة القادرة على إنقاذ الولايات المتحدة.
سارع ترامب إلى الرد بسخط، وقال: “أعتقد أن فكرة تأسيس حزب ثالث هي أمر سخيف”، مضيفاً “أن إنشاء حزب ثالث لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى”، وتابع هجومه قائلاً “يؤسفني أن أشاهد إيلون ماسك يفقد صوابه تماماً. لقد تحول خلال الأسابيع الخمسة الماضية إلى كارثة حقيقية”.
وفي ظل هذه التجاذبات تتردد أحاديث عن احتمال أن يمول ماسك مرشحاً رئاسياً في انتخابات العام 2028 في خطوة قد تطوي نهائياً صفحة حركة “ماغا”. وعند هذه اللحظة لا يسع المرء إلا أن يقول: “لا بد من أن يكون هذا هو الحب”.
يجب أن نسأل إيلون: ماذا حدث لوعودك بالابتعاد عن السياسة والتركيز على أعمالك التجارية، ولا سيما شركة “تيسلا”، بعد أن أدى الارتباط السام بدونالد ترامب إلى انخفاض مبيعات ما يسميها بعضهم الآن “سيارات الصليب المعقوف” Swasticars [نسبة إلى Swastika رمز النازية، بعدما أدى ماسك التحية النازية]، ولا سيما في أوروبا؟ ولكن، حتى الانغماس في العمل لم يساعد ماسك في التغلب على ألم الانفصال.
كأننا أمام مراهقيْن مدلليْن لا رجليْن ناضجيْن؛ إذ يبدو أن كلاً من ترامب وماسك مدفوع برغبة مهووسة في الانتقام. وعلاقتهما عبارة عن حلقة سامة لا يستطيع أي منهما الفرار منها حتى لو قرر ترامب ترحيل ماسك إلى خارج الولايات المتحدة، أو رد ماسك بقطع وصول الحكومة الأميركية إلى أقماره الاصطناعية وكبسولة “سبيس إكس دراغون” التي تعتمد عليها مهمات “محطة الفضاء الدولية”.
بالإجمال، يبدو المشهد أقرب ما يكون إلى زوجين يتعمدان تحطيم أغلى ممتلكات بعضهما بعضاً في محاولة متبادلة لإلحاق أقصى الأذى بالآخر، بينما يدعي كلاهما عدم الاكتراث.
يلغي ترامب الحوافز التي ساعدت في ازدهار “تيسلا” فيسارع ماسك إلى التصريح بأنه غير مهتم، وأنه يريد فقط إزالة الامتيازات في مشروع القانون الكبير الجميل الباذخ الذي يفاخر به ترامب.
وفي المقابل، يقلل ترامب من حاجته إلى دعم ماسك للفوز في الانتخابات، متناسياً المديح السخي الذي أغدقه عليه في السابق. وكما يدرك الذين خاضوا علاقة عاطفية، لا شيء في هذا كله يبدو منطقياً.
يبقى السؤال: ما الذي يمكن أن يحدث لاحقاً؟ يصعب التكهن مع هذين الاثنين؛ فكلاهما تراجع مراراً عن شفير المواجهة عندما بلغت الأمور حد الانفجار وأوحيا بإمكان المصالحة، ثم ما لبثا أن عادا لإشعال نار الخلاف. وقد يظن المرء أن النضج سيأتي مع الوقت إلى أن يدرك أن كليهما لا يرغب في ذلك، ولا أحد قادر على فرضه حتى أحدهما على الآخر.
*شون أوغرايدي Sean OGrady: صحفي بريطاني يشغل منصب نائب رئيس التحرير في صحيفة “الإندبندنت”.
وهو يكتب الافتتاحيات والمقالات المتعلقة بالسياسة والاقتصاد، بالإضافة إلى مراجعات في مجالات متنوعة مثل التلفاز والسيارات. بدأ مسيرته مع “الإندبندنت” في العام 1998. وقبل ذلك، خاض تجارب مهنية متنوعة في البرلمان البريطاني، وقطاع المال، وهيئة الإذاعة البريطانية. تظهر مقالاته في جميع أقسام الصحيفة، مما يعكس تنوع اهتماماته وخبراته.
