عروبة الإخباري –
في زمن التحولات الإقليمية، تبقى الدولة الأردنية راسخة بمؤسساتها ومواقفها السيادية، أمام تحديات المنطقة المعقدة.
وفي خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، والضغوط المتزايدة التي تواجهها الدول الصغيرة والمتوسطة، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة خطابنا الوطني وتوحيد صفوفنا حول الثوابت، بعيدًا عن المهاترات والمناكفات التي باتت تملأ فضاءنا العام، وتسيء إلى صورة الدولة وتماسكها الداخلي.
لقد أثبتت المؤسسة العسكرية الأردنية، كما هو عهدنا بها دائمًا، أنها جاهزة وقادرة على الدفاع عن الوطن، ومؤهّلة لتنفيذ أي واجب يُلقى على عاتقها. هذه هي معايير القوة الحقيقية، التي لا تُقاس بالكلام أو بالشعارات، بل بالفعل والاستعداد والتضحية. وكما يُقال في صفوف الجيش: “الوحدة الجاهزة هي التي تُطلب للمساعدة” – فالقوي هو من يملك زمام المبادرة لا من ينتظر الدعم.
وفي الشدائد، تسقط الأقنعة، وتتكشف النوايا، وتُمحى الحسابات الصغيرة، ليبقى الوطن وحده هو الجامع والضامن. هذه اللحظة الدقيقة، التي تمرّ بها منطقتنا، تتطلب وحدة وطنية صلبة، تتجاوز الخصومات والمصالح الآنية، وتُعلِي من شأن الدولة فوق أي اعتبارات شخصية أو فئوية.
وفي ظل تعقيدات المشهد الإقليمي، يُمثّل الاتصال الذي أجراه جلالة الملك مع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، بالإضافة إلى لقاء وزير الخارجية الأردني بنظيره الأميركي، اختراقًا دبلوماسيًا مهمًا لحالة الجفاء التي كانت سائدة في السابق مع إدارة ترامب. هذه الخطوات تعكس قدرة الأردن على تجاوز الخلافات السياسية وفتح قنوات التواصل مع مختلف مراكز النفوذ، بما يخدم مصالحه العليا ويحفظ حضوره الفاعل في الساحة الدولية.
إن ما يحتاجه الشارع الأردني اليوم ليس المزيد من التنظير، بل إدراكٌ حقيقي لخطورة المرحلة، وإعلاء صوت العقل. العقلنة مطلوبة، لأنها تحمي الداخل من التفكك، وتوفّر الأرضية الصلبة لمواقف سياسية متزنة.
لسنا دولة في طور التشكيل، ولسنا مجموعة من المؤثرين أو الساعين وراء لحظات من الشهرة في فضاءات التواصل. نحن دولة راسخة، مؤسساتها باقية، ونظامها السياسي متماسك، ومواقفها نابعة من حسابات دقيقة تحكمها المصلحة الوطنية العليا، لا المزاج اللحظي ولا الحسابات الشعبوية.
إن ضبط البوصلة الوطنية ليس ترفًا، بل ضرورة، وهو مسؤولية الجميع: الدولة بمؤسساتها، والإعلام برسالته، والنخب بوعيها، والشارع بحسّه الوطني. فلتكن الكلمة في هذا الظرف أداة بناء، لا أداة هدم، ولتكن المرحلة فرصة لتجديد العقد الوطني بين الدولة والمجتمع، على أساس الثقة والمسؤولية المتبادلة
مؤسسات الدولة أولًا… حين تكون السيادة أولوية لا ترفًا* الدكتور محمد أبو هديب
31
