عروبة الإخباري – كتبت سكينة الفالحي –
لطالما كان الإنسان يبحث عن معنى لحياته وعن سبب لاستمرار هذا السعي الذي يبدو بلا نهاية. في كتابه الفلسفي الشهير “العالم كإرادة وفكرة”، يقدّم الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور رؤية عميقة ومتشائمة عن طبيعة الوجود، حيث تُسيّر “الإرادة” العمياء كل حركة وكل رغبة داخلنا، وكأننا دمى تُحركها قوة لا تعي ولا ترحم.
تبدأ القصة برغبة لا تنتهي؛ تلك الشرارة التي تلهب قلب الإنسان، فتجعله يركض خلف سراب السعادة الذي يلوح في الأفق. لكن السعادة، وفق شوبنهاور، ليست إلا لحظة عابرة بين موجات الألم، فكل رغبة تُشبع تولد رغبة جديدة، وكل فرحة تذوب أمام موجة جديدة من الملل والتوق.
هكذا تتحول الحياة إلى دوامة لا متناهية من الألم والرغبة، حيث نعيش كدمى على خيوط إرادة لا تتوقف عن اللعب بنا. تلك اللعبة هي التي تصنع لنا المأساة التي نعيشها، وربما تكمن الحكمة في أن نخفض من سقف توقعاتنا، ونتعلم أن نراقب هذه المسرحية بسخرية وهدوء.
ينصحنا شوبنهاور بثلاثة منافذ للهروب من دوامة المعاناة:
• الفن: حيث يمكن للموسيقى والأدب أن تأخذنا بعيدًا عن ثقل الإرادة، وتمنحنا لحظات من السلام.
• الفلسفة: التي توسع آفاقنا لنفهم اللعبة التي نلعبها.
• التقشف: وهو تقليل الرغبات لتقليل الألم.
لكن شوبنهاور ليس الفيلسوف الوحيد الذي تحدث عن هذه اللعبة. يأتي فريدريك نيتشه ليصور الألم كمعلم وقوة تشكل إرادتنا، داعيًا إلى مواجهة المعاناة بحزم ورفع “سيف الإرادة” لنصنع من الألم منطلقًا للنمو والتحدي.
بينما يرى ألبير كامو العبث كحقيقة وجودية لا يمكن إنكارها، لكنه يدعونا إلى التمرد على هذا العبث، والغناء والرقص في وجه اللا معنى، واعتبار الوجود مأساة نتشاركها بضحكة ساخرة.
أما جان بول سارتر فيربط المعاناة بالحرية نفسها، فحرية الاختيار التي لا مفر منها تحمل في طياتها عبء القلق والالتزام بالذات، فالمعاناة إذن ليست فقط ألمًا، بل ثمن الحرية وشرط وجودنا.
في عالمنا الغريب، ليست الأشياء هي التي تحركنا، بل إرادة عمياء لا تعرف الراحة، تدفعنا نحو رغبات لا تنتهي. نعيش وكأننا دمى على خيوط، تتحرك بلا عقل ولا خيار، تلهث وراء أوهام السعادة التي سرعان ما تتبدد.
وجودنا ليس سوى فكرة عابرة، وحيدون في مسرحية لا نملك فيها سوى دور المراقب المتأمل، الذي يدرك أن كل محاولة للسيطرة على الإرادة هي مجرد سراب.
لذا، لا تحاول أن تقاوم هذه القوة الغامضة، بل تعلّم كيف تجلس مع ذاتك، وتراقب اللعبة التي لا تنتهي، بابتسامة هادئة تعلو وجهك رغم كل شيء.
تعتبر الرغبة حسب شوبنهاور شرارة النار التي تلهب قلب الإنسان، لكنها ليست نارًا تدفئ، بل جحيم لا ينطفئ. كلما حاولت إخمادها، اشتعلت رغبة جديدة، وكل إشباع مؤقت هو مجرد تنفس عميق بين موجات الألم التي لا تنتهي.
هكذا تكون الحياة: دوامة لا متناهية من التوق والمعاناة، حيث السعادة مجرد لحظة غياب للألم.والحكمة ليست في مطاردة السعادة، بل في تقليل الرغبات، والقبول بأن الألم هو الرفيق الدائم.
وحسب معتقداتنا نحن، فإن الرغبة، ذلك الشعور المتأجج في أعماق النفس، هي المحرك الأساسي لكل فعل وكل فكرة. هي الشرارة التي تضيء دروبنا، لكنها أيضًا الشعور الذي لا يهدأ، يجري في عروقنا كتيار لا ينقطع.
في كل رغبة يكمن وعدٌ بالاكتمال، بوعدٍ بالسعادة والراحة، لكن الحقيقة أن الرغبة لا تُشبع أبدًا. فكلما قُوبلت رغبة، تنمو أخرى، أكبر وأكثر إلحاحًا. هكذا نعيش بين لحظات إشباع مؤقتة، ومحيطات من التوق والانتظار.
في ضوء هذه الرؤى، يصبح الإنسان مدعوًا لأن يتحول من دمية تتحرك بخيوط الإرادة إلى بطل مسرحية حياته، لا عبر السيطرة على كل شيء، بل عبر حكمة الضحك على اللعبة، وتخفيف الرغبات، واختيار اللحظات التي يستمتع فيها بالمشهد بدلًا من محاولة السيطرة عليه.
في النهاية، ليست الراحة في الوصول إلى نقطة النهاية، بل في السلام مع المسار ذاته، في هدوء القلب وسط العاصفة، وفي قبول أن نكون أسياد رغباتنا لا عبيدها
