Table of Contents
عروبة الأخباري _ مع حلول أكتوبر، تستعيد المناطق الشمالية في السعودية واحدًا من أقدم مشاهدها المرتبطة بالصحراء، حيث ينتشر الصقارون و«الطواريح» في المساحات المفتوحة لمتابعة مسارات الصقور المهاجرة خلال موسم «الطرح»، في تجربة تجمع الطبيعة والتراث والمعرفة الدقيقة بحركة الطيور والطقس والتضاريس.
وتتركز الأنظار بصورة خاصة على منطقة الحماد شرق عرعر ومحافظة العويقيلة في منطقة الحدود الشمالية، حيث تشكل السهول الواسعة ومسارات الهجرة الموسمية بيئة رئيسية لمتابعة الصقور، فيما تضيف الأمطار وتقلبات أجواء الخريف طابعًا مختلفًا للرحلات البرية خلال هذه الفترة.
الحماد يتحول إلى وجهة للصقارين
تعد منطقة الحماد واحدة من أشهر المواقع التي يقصدها المهتمون بالصقارة خلال موسم الهجرة، بفضل اتساع أراضيها ووقوعها على مسارات لعبور الطيور.
ويبدأ الطواريح استعداداتهم للموسم مبكرًا، من تجهيز المركبات والمعدات إلى تحديد النقاط التي يرجح مرور الصقور عبرها، اعتمادًا على سنوات من الخبرة المتوارثة في قراءة حركة الطيور والرياح والبيئة الصحراوية.
وأوضح الطاروح نافع الشمري أن الاستعدادات للموسم الحالي بدأت منذ الأول من أكتوبر، مع انتشار الصقارين في عدة مواقع شمال العويقيلة، حيث سجل بالفعل طرح أحد الصقور خلال الموسم.
رحلة قد تمتد لعشرات الكيلومترات
لا تعتمد التجربة على البقاء في موقع ثابت وانتظار مرور الصقر؛ إذ يتحرك الطواريح لمسافات طويلة وفق المشاهدات والظروف الميدانية.
ويشير الطاروح محمد هزاع العنزي إلى أن نطاق رحلاته حول حزم الجلاميد يمتد لمسافة تتراوح بين 30 و60 كيلومترًا، مع التنقل بين مناطق مثل الأرقط والبحيرات والأبيض والأبيتر والمصوصي والأرنبيات، إضافة إلى الشعاب المحيطة.
وقد يبدأ الرصد في الصباح الباكر ويستمر على مدار اليوم، بينما قد تزداد حركة الصقور خلال فترة العصر وقبل غروب الشمس، وهو ما يجعل الموسم تجربة صحراوية كاملة مرتبطة بتوقيت الطبيعة وليس ببرنامج ثابت.
معرفة بالصحراء تنتقل بين الأجيال
يمثل موسم الصقور أكثر من مجرد نشاط للصيد؛ إذ يتحول إلى مناسبة لتبادل الخبرات بين الصقارين حول مواقع العبور وسلوك الطيور والطقس وطرق الرصد والطرح.
وتشتهر منطقة الحدود الشمالية بارتباطها التاريخي بالصقارة، مستفيدة من موقعها على مسارات هجرة الصقور والطيور البرية، ما جعلها وجهة تقليدية للصقارين القادمين من مناطق مختلفة في المملكة ودول الخليج.
وتنتقل هذه المعرفة بين الأجيال، من اختيار موقع المقناص إلى تجهيز أدوات الرحلة وقراءة التضاريس، لتصبح الصقارة جزءًا من الهوية الثقافية للمنطقة وليس نشاطًا موسميًا منفصلًا عنها.

مزاد للصقور حتى نهاية نوفمبر
يمتد موسم الطرح هذا العام بالتزامن مع مزاد المركز الوطني للصقور، الذي يقام من 1 أكتوبر حتى 30 نوفمبر ويخصص للصقور التي يتم طرحها داخل المملكة.
ويتولى المركز تقديم خدمات للطواريح في منطقة الحدود الشمالية وغيرها من المناطق، تشمل استقبال ملاك الصقور وتأمين السكن والنقل إلى مقر المزاد، حيث تعرض الصقور في مزادات تنافسية مباشرة يتم بثها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
ويضيف المزاد بعدًا اقتصاديًا إلى الموسم من خلال حركة بيع الصقور ومستلزمات الصقارة وخدمات النقل والرعاية والتجهيز.
تجربة تراثية مرتبطة بالطبيعة
يتزامن موسم الهجرة أيضًا مع عبور أنواع مختلفة من الجوارح شمال السعودية في رحلتها بين مناطق التكاثر والشتاء، ما يبرز القيمة البيئية للممرات الطبيعية في المنطقة.
ولهذا تخضع عمليات الطرح والصيد لأنظمة تهدف إلى حماية الحياة الفطرية وتنظيم الممارسة، مع التأكيد على المحافظة على موائل الطيور والالتزام بالقواعد الرسمية.
وبالنسبة لزائر شمال السعودية خلال الخريف، يكشف الموسم جانبًا مختلفًا من تجربة الصحراء؛ ليس فقط الكثبان والمساحات المفتوحة، بل ثقافة كاملة تشكلت حول مراقبة السماء وقراءة الرياح وتتبع الصقور المهاجرة، في تقليد ما زال يتجدد كل أكتوبر بين سهول الحماد ومناطق الحدود الشمالية.