أناس ذهبوا ليودّعوا حبيبة رحلت، فعاد بعضهم محمولًا على الأكتاف. يصعب أن تجد وصفًا يكفي لهذا اللؤم. أن تلاحق الإنسان إلى حزنه، إلى المكان الذي يقف فيه منكسرًا أمام الموت، ثم تضيف إلى فجيعته فجيعة أخرى.
في قرية حمود، اجتمع أناس يحملون وجع الفقد ويطلبون شيئًا من العزاء. هناك وصل القتلة، إلى وجوه مطمئنة إلى جيرانها وبلدها، لم يخطر لأصحابها أن وداع ميت قد يتحول إلى وداعهم هم.
وفي استهداف الكنيسة اعتداء على حياة كاملة صنعها الناس معًا. حياة عرف فيها المسلم والمسيحي بعضهما بالاسم والبيت والعائلة، وتقاسما الأرض والعمل والخبز والخوف على الأبناء.
أقول هذا من تجربة عشتها في السلط. كان المسيحي جارنا وصديقنا وزميلنا وابن مدينتنا. كنا نعرف اختلاف أدياننا، لكن ذلك لم يكن يختصر علاقتنا ببعضنا. حتى تحالفاتنا العشائرية اختلطت فيها العشائر المسلمة والمسيحية. تجد عشيرة مسيحية في حلف، وأخرى في الحلف المقابل. كان يمكن أن نصطف بين «الحارة» و«الأكراد»، وأن نختلف ونتنافس، لكننا لم نكن نصطف مسلمين في جهة ومسيحيين في أخرى.
والكرك تعرف هذه الحياة جيدًا. وفي ذاكرتها رواية يتناقلها أهلها عن مسيحيين وضعوا الصلبان على بيوت جيرانهم المسلمين لحمايتهم من بطش العسكر العثماني. حفظ الناس هذه الحكاية لأن رمز دين أحدهم صار وسيلة لحماية ابن الدين الآخر. رأوا جارًا ينبغي أن ينجو، فبحثوا عما يحميه.
كيف وصلنا إلى إنسان يرى في صلاة جاره سببًا لقتله؟
هذا السؤال لا يجوز أن يضيع وسط بيانات الإدانة. من ضغط على الزناد يجب أن يُلاحق ويُحاكم، وكل من ساعده وحرّضه شريك في المسؤولية. لكن علينا أيضًا مواجهة الأفكار التي تجعل إنسانًا قادرًا على الوقوف أمام جنازة وإطلاق النار على المشيعين.
لن نعرف مسار هؤلاء قبل اكتمال التحقيق. ومع ذلك، نعرف ما يفعله الفكر التكفيري بالإنسان. يصادر حقه في الاختلاف، ويمنح صاحبه سلطة الحكم على إيمانه، ثم يجعل حياته قابلة للاستباحة. وحين يختصر المتعصب الناس في تصنيفات دينية، تختفي وجوههم وأسماؤهم، ويغيب الأب والأم والجار، ولا يبقى سوى هدف.
لهذا لا يكفي أن ندين القتل، ثم نتردد أمام تحقير المختلف أو التشكيك في حقه الكامل في وطنه. علينا أن نراجع ما نقبل سماعه في مجالسنا، وما نمرره على شاشاتنا، وما نعلّمه لأبنائنا عن زملائهم وجيرانهم. فالعيش المشترك يحتاج إلى صدق يومي، وشجاعة تعترض على الإهانة قبل أن تصبح اعتيادًا.
كانت لنا في الماضي خلافاتنا ومظالمنا، لكن كانت بين الناس معرفة تحميهم من اختزال بعضهم في دين أو طائفة. هذه المعرفة تستحق أن نصونها، وأن نتيح لأبنائنا عيشها في المدرسة والجامعة والعمل والحي.
أهلنا في حمود يحتاجون اليوم إلى المواساة والعدالة والأمان. أن يقف بلدهم معهم حتى آخر الطريق، وأن يدخل أبناؤهم كنيستهم غدًا دون أن يحملوا خوف هذه الجنازة إلى بقية أعمارهم.
من حقهم أن يخرجوا من بيوتهم، ويلتقوا جيرانهم، ويذهبوا إلى صلاتهم، مطمئنين إلى أن هذه أرضهم، وأن لهم فيها حياة لا يملك أحد حق تهديدها.