عروبة الإخباري –
الدستور – رنا حداد ، تصوير شريف العويمر –
غالبًا يقودنا الحديث عن المجوهرات من مجرد قطع ثمينة تُرتدى إلى قصص أعمال فنية تختزن حكاية ومكاناً وذاكرة، ويصبح الحديث عن تصميمها لغة تتجاوز حدود الجغرافيا. وهذا تحديداً ما يمنح المشاركة الأردنية في «أسبوع ميلانو للمجوهرات 2026» دلالتها، في واحدة من أبرز الفعاليات الدولية التي تجمع المصممين والفنانين والحرفيين والعاملين في صناعة المجوهرات من أنحاء العالم.
وتستعد مدينة ميلانو لاستضافة الدورة السادسة من «أسبوع ميلانو للمجوهرات 2026» خلال الفترة من 20 إلى 26 أكتوبر 2026، بمشاركة أكثر من 400 عارض من نحو 60 دولة، وبمتوسط حضور يصل إلى 20 ألف زائر. وعلى امتداد أسبوع كامل، تتحول المدينة إلى مساحة مفتوحة للمجوهرات المعاصرة، من خلال المعارض والحوارات وورش العمل والعروض واللقاءات المهنية وبرامج الجوائز.
أما المحطات الرئيسية للمعارض، فتتركز بين 24 و26 أكتوبر، حين تستضيف Palazzo Bovara فعاليات Artistar Jewels وTalent Show، فيما يحتضن Palazzo Serbelloni معرض The Jewelry Hub، إلى جانب لقاءات مهنية وحوارات تجمع المصممين والشركات والمشترين والصحفيين والمتخصصين.
الأردن.. حين تصبح البيئة
مصدراً للغة بصرية
في هذا المشهد الدولي الواسع، لا تبدو المشاركة الأردنية مجرد حضور في معرض عالمي، بل فرصة لتقديم جزء من الهوية البصرية التي يمتلكها الأردن، وهي هوية شديدة الثراء بالنسبة إلى عالم التصميم.
فالأردن، بتنوع جغرافيته وطبقاته الحضارية، يمتلك مخزوناً بصرياً يكاد يكون مفتوحاً بلا حدود أمام المصمم. من تدرجات الرمل في وديان الجنوب، إلى ألوان الصخور والجبال، ومن البتراء المنحوتة في الصخر الوردي إلى الصحراء الممتدة، ومن العمارة القديمة إلى الزخارف والحلي التقليدية، تتشكل أمام المصمم مفردات يمكن إعادة قراءتها بلغة معاصرة.
وللألوان وحدها حضور لافت؛ فدرجات الرملي والذهبي والنحاسي والبني والأحمر الصخري ليست مجرد ألوان طبيعية في المشهد الأردني، وإنما يمكن أن تتحول إلى لوحة تصميمية متكاملة. الضوء الذي يتغير فوق الصخور، انعكاسات الشمس على الرمال، ملمس الحجر، الخطوط الهندسية في العمارة، والزخارف التي رافقت الحلي التقليدية في المنطقة، كلها عناصر قادرة على الانتقال من المشهد إلى القطعة الفنية من دون أن تفقد جذورها.
وتكمن قوة البيئة الأردنية في أنها لا تقدم للمصمم شكلاً جاهزاً فحسب، وإنما تمنحه قصة. فالمكان هنا مرتبط بالذاكرة، والذاكرة مرتبطة بالحرفة، والحرفة مرتبطة بالهوية. ومن هذه العلاقة يمكن أن تولد مجوهرات لا تكتفي بأن تكون جميلة، بل تحمل في تفاصيلها شيئاً من المكان الذي جاءت منه.
وهذه القيمة تصبح أكثر وضوحاً عندما تنتقل القطعة الأردنية إلى منصة دولية مثل ميلانو؛ إذ لا تعود المجوهرات معروضة باعتبارها منتجاً محلياً فقط، وإنما تصبح وسيلة لتعريف جمهور عالمي بجماليات المنطقة من خلال لغة يفهمها عالمياً: التصميم.
حنان خشان.. المجوهرات
بوصفها اكتشافاً للذات
ضمن هذا السياق تبرز تجربة مصممة المجوهرات الأردنية حنان خشان، التي تنظر إلى تصميم المجوهرات باعتباره مساحة للتعبير عن الذات، وتحويل الأفكار والقصص والمعاني إلى قطع فنية يمكن ارتداؤها.
وعبّرت خشان في حديثها لـ»الدستور» عن رؤيتها للمجوهرات بوصفها وسيلة لتجسيد قصة معينة أو التعبير عن معانٍ سامية، إلى جانب إحياء التقاليد العربية القديمة في صناعة الحلي، وإعادة تقديمها بطابع أردني محلي وروح عربية تراثية.
وترى أن الفن، في جوهره، حالة من اكتشاف الأشياء وإعادة النظر فيما يبدو اعتيادياً في الحياة، بحثاً عن الجمال الكامن فيه.
وتقول خشان إن الفن بالنسبة إليها هو الحالة التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يضع الأشياء في إطارها الصحيح، وهي رؤية تفسر جانباً من الطريقة التي تتعامل بها مع تصميم المجوهرات؛ فالقطعة لا تبدأ بالذهب والحجر الكريم فقط، وإنما تبدأ من فكرة تبحث عن شكلها.
وتصف المصممة تصاميمها بالمذهلة، والملهمة، والعميقة، وهي مفردات تبدو قريبة من فلسفة تقوم على إعطاء المجوهرات بعداً يتجاوز الزينة المباشرة.
بين الماضي والحاضر
تتكرر في تجربة خشان ثيمة الماضي، ليس بوصفه زمناً منتهياً، وإنما باعتباره مصدراً قابلاً لإعادة الاكتشاف.
فقد استلهمت مجموعات سابقة لها موضوعات من ألف ليلة وليلة، والأساطير الإغريقية، ومصر القديمة، وحكايات بلاد ما بين النهرين، وهي موضوعات تجمعها مساحة واحدة: الغموض، والخيال، والأسطورة، والرغبة في البحث خلف ما تركه الماضي من أسرار.
وتوضح خشان أن مصدر إلهامها يرتبط تحديداً بذلك الغموض الذي يحيط بكشف أسرار الماضي وخباياه، ثم تقديمها في هيئة قطعة فنية تلائم المرأة المعاصرة.
وهنا تحديداً تبرز تجربة المصممة مع مفهوم المجوهرات المعاصرة الذي يحتفي به أسبوع ميلانو؛ فالمجوهرات لم تعد محصورة في قيمتها المادية، بل أصبحت مجالاً للتجريب والبحث والتعبير الفني، وهو ما تعكسه برامج الأسبوع التي تجمع بين المجوهرات الفنية والبحثية والتصميم والابتكار والحرفية.
الذهب والحجر.. حين
تلتقي الطبيعة بالإنسان
في أعمال خشان، يحتل الذهب والأحجار الكريمة مكانة أساسية، لكن قيمتهما لا تتوقف عند بريقهما. تقول المصممة إن الأحجار المنتقاة لكل قطعة تسهم في تكوين الرابط بين المرأة والمجوهرات التي ترتديها، وكأن القطعة تكتسب معناها النهائي من العلاقة التي تنشأ بينها وبين صاحبتها.
وهذه الفكرة تفتح الباب أمام قراءة أوسع للمجوهرات باعتبارها نقطة التقاء بين الطبيعة والإنسان. فالذهب مادة من الطبيعة، والحجر يحمل في داخله تاريخاً جيولوجياً طويلاً، بينما يضيف المصمم إلى هذه المواد فكرة وشكلاً وحكاية، ثم تأتي المرأة لتمنح القطعة حضورها النهائي.
وفي الحالة الأردنية، تبدو هذه العلاقة أكثر ثراءً، لأن البيئة نفسها غنية بالمواد البصرية التي يمكن استحضارها في التصميم، من الحجر إلى الرمل، ومن الخطوط الهندسية إلى الزخارف الشعبية، ومن ألوان الصحراء إلى التفاصيل المعمارية والتراثية.
خشان التي أطلق من وحي البيئة الأردنية اسماء قطعها المصممة بحب وابداع مثل صحارى، وسراب ، لم تكن الطريق بالنسبة إليها خالية من التحديات. وتصف المصممة التحدي الأول بأنه كان مع ذاتها، إذ كانت تدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكنها قررت أن تبدأ رحلتها بإيمان وعزم.
ومن هذه الرحلة جاءت مجموعتها الأولى بعنوان «السجادة الحمراء» لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرتها المهنية، تجمع فيها بين شغفها بالفن ورؤيتها الخاصة للمجوهرات.
وتؤكد خشان أن السنوات التي أمضتها في تصميم المجوهرات علمتها أن الجمال والإبداع كامنَان في الإنسان نفسه، وأن الوصول إلى الجمال يحتاج إلى البحث والتعمق في الأشياء ومحاولة اكتشاف الرابط الذي يجمع بينها، قبل تحويلها إلى قطعة فنية.
وهو ما يجعل التصميم، بالنسبة إليها، عملية بحث مستمرة أكثر منه صناعة لقطعة جديدة.
مجوهرات تحمل هوية المكان
لا تحتاج الهوية الأردنية في التصميم إلى أن تكون مباشرة أو حرفية حتى تكون حاضرة. فقد يكون اللون كافياً، أو ملمس الحجر، أو إيقاع زخرفة، أو شكل مستوحى من العمارة، أو حتى إحساس عام بالمكان.
وهنا تكمن المساحة الأهم أمام المصمم الأردني: أن يأخذ عناصر البيئة والتراث لا ليكررها، وإنما ليعيد تفسيرها.
فالصحراء الأردنية، على سبيل المثال، لا تعني فقط اللون الرملي؛ إنها الضوء والظل والمسافة والصمت والامتداد. والبتراء ليست مجرد واجهة منحوتة في الصخر؛ إنها خطوط وتكوينات وطبقات من التاريخ. والحلي التقليدية ليست مجرد أشكال قديمة، بل ذاكرة اجتماعية تحمل دلالات مرتبطة بالمرأة والاحتفال والهوية والانتماء.
وحين تنتقل هذه العناصر إلى قطعة مجوهرات حديثة، فإنها لا تفقد هويتها بالضرورة، بل يمكن أن تحصل على حياة جديدة، خصوصاً عندما يتعامل معها المصمم باعتبارها مادة إبداعية قابلة لإعادة القراءة.
ميلانو.. منصة للقاء التجارب
وتكتسب المشاركة في أسبوع ميلانو أهمية إضافية من طبيعة الحدث نفسه، إذ لا يقوم على معرض واحد مغلق، بل على مفهوم واسع ينتشر في أنحاء مركز المدينة، ويضم صالات عرض وبوتيكات ومعارض وورشاً وأماكن تاريخية.
ويقدم Experiential Journey خلال الفترة من 20 إلى 26 أكتوبر مساراً موزعاً على المدينة، يمر عبر متاجر المجوهرات والمحال المتخصصة والمعارض والمساحات الإبداعية، فيما تتركز المعارض الرئيسية في قصري Palazzo Bovara وPalazzo Serbelloni بين 24 و26 أكتوبر.
كما يضم البرنامج لقاءات MJW Talks التي تجمع المصممين والشركات والمشترين والصحفيين والخبراء، إلى جانب أمسية الجوائز في 25 أكتوبر، بما يمنح الحدث بعداً مهنياً يتجاوز العرض البصري للمجوهرات إلى الحوار وتبادل الخبرات وبناء العلاقات في قطاع التصميم.
وفي مدينة ارتبط اسمها تاريخياً بالفن والأزياء والتصميم، تبدو المجوهرات جزءاً طبيعياً من المشهد الإبداعي؛ لكنها في الوقت نفسه تصبح وسيلة لاكتشاف اختلاف التجارب بين البلدان والثقافات.
ومن هنا تأتي قيمة الحضور الأردني: أن تصل قصة المكان إلى جمهور عالمي من خلال قطعة فنية صغيرة تحمل في داخلها مساحة واسعة من الذاكرة.
وتطمح حنان خشان، كما عبّرت في حوارها مع «الدستور»، إلى أن يصل خط مجوهراتها إلى مستوى عالمي، وأن ترتدي تصاميمها نساء من مختلف أنحاء العالم.
ويبدو هذا الطموح منسجماً مع طبيعة المنصات الدولية التي تمنح المصمم فرصة للخروج من نطاق السوق المحلي إلى فضاء أوسع، حيث تصبح الهوية نفسها عنصراً من عناصر التميز.
تحديات المصمم الأردني
فالعالم لا يحتاج إلى نسخة جديدة من المجوهرات التي يعرفها، بقدر ما يبحث عن أفكار جديدة وقصص مختلفة وطرق مبتكرة لرؤية الجمال. وفي هذا الجانب يمتلك الأردن الكثير ليقدمه: بيئة شديدة الخصوصية، وتاريخاً متراكماً، وتراثاً غنياً بالحلي والزخارف، وثقافة قادرة على إنتاج صور بصرية تتجاوز حدود المكان.
وربما يكون التحدي الحقيقي أمام التصميم الأردني اليوم ليس في امتلاك مصادر الإلهام، فهي حاضرة في كل تفاصيل البيئة تقريباً، وإنما في إعادة صياغة هذه المصادر بلغة تصميمية حديثة تستطيع أن تخاطب العالم من دون أن تفقد صوتها المحلي. وأيضًا وجود دعم واهتمام محلي.
ونوهت خشان بأنه يمكن للمصمم الأردني والمجوهرات الأردنية أن يجدا لنفسيهما مساحة خاصة في المشهد العالمي، بتوفر بيئة مهتمة وداعمة ومؤمنة بقدرات المصمم الأردني.

