إلى كل فتاة تقف على عتبة الانتظار، أو ينهش قلبَها حزنٌ واهمٌ لأن قطار الزواج لم يمرّ بها: استفيقي، ولا تحزني! لا تأسفي على زمنٍ انقلبت فيه الموازين، ولا تبكي على مثلِ شعبيٍّ بالٍ ردّدته ألسنة الأمّهات والجدات حتى صدّقناه: “ظلّ رجل ولا ظلّ حائط”. ففي عصرنا هذا، بات الحائط أكثر أماناً، وأشدّ وفاءً وثباتاً من أشباه رجالٍ لا يملكون من الرجولة سوى الاسم في بطاقات الهوية!
لقد سقطت مفاهيم الرجولة وانحدرت إلى قاع الاتكالية والهشاشة. شتّان بين الأمس واليوم؛ في الماضي القريب، كان الرجل سنداً حقيقياً، قلعةً تُلقي عليها الأسرة أثقالها فتطمئن. كان رجلاً يكدّ ويعرق، يحمل همّ بيته وزوجته وأولاده على كاهله دون أن يئنّ. كان يُرى عتّالاً يحمل طعاماً ومؤونة تكفي عشيرة، يحرث الأرض أو يشقى ليل نهار ليرى عائلته عزيزة النفس ومرفوعة الرأس. كانت الرجولة موقفاً يُدفع فيه الغالي والنفيس، وشرفاً يُقاس بحجم البذل وحمل المسؤولية، لا بكلمات جوفاء ومظاهر خادعة.
أما اليوم، فماذا تبقّى من تلك الهيبة؟ نعيش زمناً نرى فيه “رجل اليوم” يتهرّب من أبسط واجباته، يتفرّج بينما تنهك شريكته في ميادين العمل والبيت، وربما مدّ يده ليتكئ على راتبها وعرق جبينها بلا خجل! ذكورٌ استمرؤوا الدلال وتخلّوا عن ثقل الواجب، يطالبون بحقوق القوامة وهم أبعد ما يكونون عن تحمّل أعبائها. غابت المروءة، وحلّت مكانها الأنانية والاستسهال والتنصّل من كل عهد.
لذلك، أقولها لكِ بملء الفم: لا تحزني إن لم تدخلي قفصاً لا يسكنه إلا العجز والتنصّل. فالعزلة بكرامة أشرف ألف مرة من شقاء مع كائنٍ لا يعرف من الرجولة إلا التسلط، ولا يقدّم لكِ سوى الخيبة. إن لم يكن الرجل سقفاً يحميكِ من نوائب الدهر، وركناً صلباً تشدين به أزركِ كما كان الرجال في زمن الأصالة، فليبقَ الحائط سندكِ، وسلامٌ على الرجولة حتى تعود إلى رشدها!

