Table of Contents
عند مدخل مدينة السلط الأردنية، اقترب مئات المتطوعين من إنجاز جدارية فسيفسائية تمتد لنحو 50 مترا وبارتفاع 2.5 متر، استُخدم في تنفيذها نحو 3.75 ملايين حجر، لتوثيق عناصر من تاريخ المدينة وتراثها، وسط مساع لتسجيل العمل في موسوعة غينيس للأرقام القياسية.
والجدارية التي تعمل عليها اليوم ليست لوحة صغيرة؛ فبحسب العواملة، ستضم عند اكتمالها نحو 3 ملايين و750 ألف قطعة فسيفساء، ويزيد وزنها على طنين، لتشكل مشاهد تستعيد مدينة السلط وعمارتها وناسها وذاكرتها.
لكن حجم العمل ليس وحده ما تعتبره العواملة جوهر تجربتها، إذ تقول إنها عملت على تطوير طريقة مختلفة في التعامل مع الحجر، بحيث لا تبقى الرسمة الفسيفسائية مجرد سطح مستوٍ.
من الحجر المسطح إلى الأبعاد
تشرح أن أسلوبها يقوم على التحكم في أحجام قطع الحجر وأشكالها وطريقة قصها وتركيبها، لإعطاء عناصر الرسمة عمقا وبعدا بصريا.
وتقول إن الفكرة التي عملت على تطويرها تقوم على أن “الرسمة داخل اللوحة تكون ثلاثية الأبعاد”، من خلال طريقة تركيب الأحجار وتفاوت أحجامها، بدلا من أن تظهر جميع التفاصيل على مستوى واحد.
وفي أجزاء من العمل، تستخدم شرائح حجرية طويلة ورفيعة لرسم الخطوط والواجهات، بينما تتحول قطع أخرى إلى أوراق أشجار أو منحنيات وتفاصيل معمارية، بما يسمح ببناء المشهد حجرا بعد آخر.
وتعتبر العواملة هذا الأسلوب بصمتها التي طورتها عبر تجربتها العملية، وتسعى إلى ألا يبقى مرتبطا بها وحدها، بل أن يتحول إلى طريقة فنية يمكن نقلها إلى الآخرين.
مدرسة فنية
ومن هنا جاءت فكرة “المدرسة” التي تتحدث عنها العواملة.
فهي لا تقصد إنشاء مبنى وصفوف دراسية، وإنما تكوين منهج فني وطريقة في قص الحجر وتركيبه وبناء اللوحة الفسيفسائية.
وفي موقع العمل ، لم تكن العواملة تعمل منفردة؛ فقد التف حول الجدارية متطوعون من أعمار مختلفة، يقصون الأحجار ويلصقونها ويرتبونها تحت إشرافها.
وتقول العواملة إنها دربت خلال تجربتها مئات المتطوعين، في محاولة لنقل ما تعلمته وطوّرته إلى آخرين.
وتتحول الجدارية بذلك، قبل وصولها إلى مكانها النهائي، إلى ورشة مفتوحة للتدريب؛ فكل جزء منها يمر عبر سلسلة من اختيار الحجر وقصه وتشكيله وتركيبه، قبل جمع الأجزاء لتكوين المشهد النهائي.
3 ملايين و750 ألف قطعة تحكي السلط
أما المشروع الذي يستحوذ حاليا على الجزء الأكبر من وقت العواملة فهو جدارية فسيفسائية عملاقة تستلهم مدينة السلط وتراثها وهويتها.
وتقول العواملة إن الجدارية يبلغ طولها 50 مترا وارتفاعها 2.5 متر، وستتكون عند اكتمالها من نحو 3 ملايين و750 ألف قطعة حجر، فيما سيزيد وزنها على طنين.
وتعتزم تثبيت العمل عند مدخل السلط بعد الانتهاء منه، ليكون بمثابة رواية بصرية للمدينة.
وتضم الجدارية وجوها بشرية ومباني وأشجارا وتفاصيل معمارية واجتماعية تستحضر المدينة، فيما تنفذ على أجزاء وشبكات منفصلة قبل تجميعها وتركيبها في موقعها النهائي.
والسلط ليست مجرد خلفية اختارتها العواملة لعمل فني، بل مدينة ذات قيمة تراثية عالمية.
ففي 2021، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” السلط على قائمة التراث العالمي تحت اسم “السلط – مدينة التسامح وأصول الضيافة الحضرية”.
ويرتبط إدراجها، وفق اليونسكو، بطابعها العمراني والاجتماعي الذي تبلور خصوصا خلال ازدهارها التجاري في أواخر العهد العثماني، وبتراث المدينة في الضيافة والتعايش بين مكوناتها.
من السلط إلى أم الجمال
وليست السلط أول مدينة أردنية مدرجة على قائمة التراث العالمي تدخل تجربة العواملة الفسيفسائية.
فقد سبقتها أم الجمال بمحافظة المفرق شمال شرقي الأردن، حيث صممت العواملة ونفذت مشروعا لجداريات فسيفسائية تستلهم الموقع الأثري وهويته المعمارية.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، أعلنت بلدية أم الجمال اتفاقية لتنفيذ جدارية من تصميم وتنفيذ العواملة، بمشاركة أبناء المجتمع المحلي وفنانين، لإبراز معالم المدينة وتراثها.
وفي يناير/ كانون الثاني 2026، أعلنت البلدية بدء تنفيذ جداريات فسيفسائية عند مدخل المدينة بمشاركة المجتمع المحلي.
وجاء المشروع بعد إدراج أم الجمال على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2024.
وتتميز أم الجمال بعمارتها البازلتية، وتضم بقايا مستوطنة ريفية تعكس امتداد الاستيطان في المنطقة، ولا سيما خلال الفترتين البيزنطية والإسلامية المبكرة.
جوائز خارج الأردن
وبالتوازي مع مشاريعها الفسيفسائية، شاركت العواملة في معارض وفعاليات فنية خارج الأردن، تقول إنها حصلت خلالها على جوائز وتكريمات.
وتقول إنها حصلت خلال معرض في مدينة مارسيليا الفرنسية بالعام 2025 على “جائزة المتحف للفنان المبدع والمتميز” ضمن 15 فنانا تشكيليا، عن أعمال فنية تشمل الرسم الزيتي والأكريليك والمائي والرصاص.
وأضافت أن الجائزة جاءت ضمن نشاط لـ”مدرسة الفنون التشكيلية حول العالم” في باريس، وأنها حصلت كذلك على “جائزة الأسد الذهبي” ضمن أفضل 30 فنانا تشكيليا على المستوى الأوروبي.
تكريم في تونس
وفي محطة عربية أخرى، وصلت أعمال العواملة إلى مدينة الحمامات التونسية، وفيها حظيت بالعام 2024 بتكريم على خلفية مشاركتها في عمل فسيفسائي هناك.
وبحسب نص التكريم ، كرم الوزير المكلف بتسيير وزارة الشؤون الثقافية التونسية آنذاك المنصف بوكثير العواملة، لما قدمته من “إنجاز وإبداع فني في تخليد جداريات فسيفسائية عملاقة”.
وجاء التكريم خلال اختتام فعاليات الدورة الثانية للملتقى الدولي للفسيفساء وتدشين مسلك الفسيفساء بالمركز الثقافي الدولي بالحمامات “دار سيباستيان”.
وبين فرنسا وتونس والأردن، اتسعت تجربة العواملة من اللوحة الفردية إلى الجداريات التي تتداخل فيها الفنون التشكيلية مع المكان والتراث.
النجاح لا يتوقف عند جائزة
ورغم الجوائز والتكريمات التي تتحدث عنها، فإن قصة العواملة لا تتوقف عند ما حصلت عليه خارج الأردن.
فالمشروع الذي تعمل عليه اليوم يختصر جانبا آخر من تجربتها: ملايين الأحجار، ومئات المتطوعين، ومدينة كاملة تحاول إعادة سرد حكايتها بالفسيفساء.
وتبدو العواملة في موقع العمل متنقلة بين دور الفنانة والمدربة؛ تمسك أداة قص الحجر في لحظة، ثم تنحني في أخرى لتراجع موضع قطعة، قبل أن تنتقل إلى متطوع لتشرح له كيف يكمل جزءا من الرسمة.
وبالنسبة إليها، فإن نقل الطريقة إلى الآخرين جزء من معنى النجاح الذي تسعى إليه؛ فالفن، في تجربتها، لا ينتهي عندما تكتمل اللوحة، وإنما عندما يصبح قادرا على إنتاج تجربة جديدة لدى شخص آخر.
ومع اقتراب جدارية السلط من صورتها النهائية، تتجمع ملايين القطع الصغيرة لتصبح مشهدا واحدا.
وعندما تنتقل الجدارية إلى مدخل المدينة، ستكون قد حملت معها حكاية السلط ووجوهها وعمارتها.
لكن بين أحجارها ستبقى أيضا حكاية فنانة أردنية بدأت من اللوحة، وذهبت إلى الجدارية، ثم حاولت أن تجعل من تجربتها مدرسة فنية يواصلها آخرون.
