اختتمت الجمعة، فعاليات البرنامج الثقافي لمعرض عمان الدولي للكتاب 2026 في دورته الخامسة والعشرين (اليوبيل الفضي)، بندوة عنوانها “ماذا بعد المعرض..الثقافة من التوصيات إلى الالتزام”.
وشارك في الندوة، رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين، ومدير معرض عمان الدولي للكتاب، جبر أبوفارس، ومدير ثقافة العاصمة الدكتور سالم الفقير، والروائي مفلح العدوان، الكاتب حسين نشوان، وأدارها الروائي أحمد الطراونة.
جبر أبو فارس
في بداية الندوة، أكد رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين ومدير المعرض جبر أبو فارس أن المشكلة الجوهرية في المشهد الثقافي لا تكمن في نقص التوصيات أو الأفكار بل في الفجوة بين الخطاب والممارسة، داعياً إلى بناء ثقافة مؤسسية جديدة تقيس نجاحها بالمخرجات والنتائج الملموسة والبرامج التنفيذية.
وشدد على أن الثقافة ركيزة أساسية في البناء وتشكيل الوعي ومسؤولية وطنية تشاركية، مشيرا إلى التحديات الاقتصادية والمهنية التي تواجه الناشر كارتفاع كلف الطباعة والإنتاج والشحن والتوزيع وضعف القدرة الشرائية والقرصنة، مطالبا بسياسات عملية تحمي حقوق المؤلف وتوسع من انتشار الكتاب الأردني.
كما انتقد تهميش المكتبات المدرسية وإلغاء حصص القراءة، مؤكداً أن بناء الجيل القارئ يبدأ من الأسرة والمدرسة.
وكشف أبو فارس أن زوار هذه الدورة تجاوزوا نصف مليون زائر، وأن حجم المبيعات كان مفاجئاً للناشرين رغم الارتفاع الطفيف في أسعار الكتب بسبب بارتفاع كلف الطباعة، والظروف الإقليمية، موجهاً الشكر لوزارة الثقافة وأمانة عمان ومؤسسة عبد الحميد شومان واللجان الثقافية والإعلامية والفنية التنظيم التي أسهمت في هذا النجاح الاستثنائي لمعرض عمان الدولي للكتاب 2026.
الدكتور سالم الفقير
من جانبه، تناوَل مدير ثقافة العاصمة في وزارة الثقافة الدكتور سالم الفقير محور الأثر الاستراتيجي واستمرارية الفعل الثقافي، والمشروع الثقافي الوطني المتمثل بتوثيق السردية الأردنية “الأردن الأرض والإنسان” الذي أطلقه سمو ولي العهد وتجسد في فعاليات البرنامج الثقافي للمعرض.
ودعا إلى التحول السريع من “ثقافة الفعاليات” إلى “ثقافة المشاريع” التي تمتد طوال العام وتستثمر البنية التحتية للمراكز الثقافية المنتشرة في المحافظات كافة، مؤكدا أهمية التنسيق مع “وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي” للوصول إلى طلبة المدارس والجامعات.
واستعرض المبادرات الوطنية التي ترعاها الوزارة كبرنامج مكتبة الأسرة، والبرنامج الوطني للقراءة، والمكتبات المتنقلة، وحملات توزيع الكتب بالمحافظات كحملة “ثقف نفسك” في الطفيلة التي وزعت أكثر من 50 ألف كتاب ومستمرة منذ عام 2014.
مفلح العدوان
من جهته، انتقد الكاتب مفلح العدوان غياب أرض معارض دائمة في الأردن بعد 25 عاماً على المعرض، مشيراً إلى أن دولة كالأردن تستحق إقامة أرض معارض دائمة بشراكة بين مؤسسات الدولة وأمانة عمان واتحاد الناشرين الأردنيين والقطاع الخاص لتخدم القطاعات الثقافية والصناعية والزراعية كافة.
وسلط الضوء على ظاهرة ما وصفه بـ “رداءة النشر” وتحول ال “بعض”: إلى تجار وجامعي كلمات عبر التقنيات الحديثة كـ ChatGPT ومواقع التواصل الاجتماعي، مما أنتج كتباً رديئة وسلعاً مسمومة، داعياً اتحاد الناشرين لإطلاق “وثيقة شرف” ملزمة تنظم العلاقة بين الناشر والكاتب، وفق أخلاقيات عالية ترتقي بجودة المحتوى.
كما دعا إلى ديمومة المعارض واستمرارها وخاصة في المحافظات بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة، وتفعيل المبادرات الشبابية التي تعنى بالقراءة.
حسين نشوان
وطرح الكاتب حسين نشوان الرؤية الفكرية والفلسفية لمصير المعرفة والذاكرة في ظل التحولات التكنولوجية المعاصرة، مبيناً أن التحدي الأكبر يكمن في تغير “هندسة التلقي” لدى الأجيال الجديدة؛ حيث تحول التلقي من القراءة الواعية والتفكير والتحليل إلى مجرد “الامتصاص” والسيطرة البصرية عبر الشاشات ومواقع التواصل التي لا تتيح فرصة للحوار أو النقد.
وأشار إلى تراجع دور المؤسسات التعليمية، حيث انخفضت نسبة تأثير المدرسة في عقلية الطالب من 80% سابقاً إلى أقل من 15% لصالح “الشركات العابرة” التي أصبحت تشكل مزاج المجتمعات وثقافتها.
وحذر نشوان من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تقوم بتخزين واختزال ملايين الكتب واغتيال الذاكرة التاريخية للكاتب والكتاب، معتبراً أن مشروع “توثيق السردية الأردنية” يمثل خط الدفاع الأول للحفاظ على ذاكرة الأجيال وهويتها الحضارية.
ودعا إلى عدم التعامل مع المعرض كسوق تجاري ينتهي بانتهاء أيامه العشرة، بل كاستراتيجية ثقافية كبرى تدافع عن الذاكرة الوطنية، مختتماً بتعريفه للثقافة بأنها “ما يتبقى في ذهنك عندما تنسى كل شيء”.
أحمد الطراونة
وكان الروائي أحمد الطراونة قد استهل الندوة بتحديد محاورها التي حاولت قراءة المعرض كفعل ثقافي واستشراف آفاقه من أربع زوايا متكاملة: التنظيم وصناعة النشر، الاستمرارية ووصول الأثر الثقافي إلى المحافظات، الوظيفة الثقافية للمعرض، وسؤال الثقافة نفسه وماذا يتبقى بعد انتهاء كل شيء؟.
وأشار إلى أن المعرض يحتفي بدورة اليوبيل الفضي (مرور 25 عاماً)، مما يوجب ألا يقتصر التساؤل على ما أنجز، بل ينبغي التركيز على ما يجب أن يكون عليه المعرض مستقبلاً، وهل يظل مجرد معرض لبيع الكتب أم يتحول إلى منصة لصناعة المعرفة والقراءة والثقافة.
وفي ختام الندوة، كرم رئيس اللجنة الثقافية جعفر العقيلي، وعضو اللجنة الثقافية الدكتورة شهلا العجيلي، المشاركين.




