البروفيسور عوض سليمية باحث في العلاقات الدولية –
“وصلت إلى فلسطين قبل أكثر من شهرين، وقد التقيت بالأصدقاء الفلسطينيين من كل الأوساط. وقبل عشرة أيام، قدمت أوراق اعتمادي إلى فخامة الرئيس محمود عباس. وقد لمست بعمق الصداقة الصينية الفلسطينية المتجذرة في قلوب الشعبين، وأرى أن هناك آفاقا رحبة للتعاون بين البلدين. وبصفتي السفير الصيني الجديد لدى فلسطين، فإنه على عاتقي مسؤولية كبيرة، وأمامي أعمال كثيرة”. السفير سون تشن
مشاركة السفير الصيني الجديد لدى فلسطين سون تشن، في الندوة التي نظمها معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي يوم 23 سبتمبر/أيلول، لم تكن مجرد عرض لمبادرة الأمن العالمي الصينية (GSI)فقط، بقدر ما شكلت محاولة لطرح تصور صيني راسخ لمصادر ومفهوم الأمن والاستقرار في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، والدور الذي تضطلع به الصين في إعادة صياغة معادلاته لصالح دول المنطقة. ففي لقاء جمع نخبة من السياسيين والأكاديميين والباحثين، وتواصل على مدى نحو ساعتين، انتقلت النقاشات من المبادئ العامة للمبادرة إلى أسئلة أكثر ارتباطاً ببنية وشكل الأمن الإقليمي والدولي الذي تراه بكين، ومستقبل التوازنات الدولية، وموقع القضية الفلسطينية في النظام الأمني الذي يتشكل في المنطقة.
في سياق إجاباته عن الأسئلة التي طرحها مدير الجلسة الدكتور محمد الهليس وعدد من الحضور، قدم السفير تشن مجموعة من الرسائل السياسية الهامة التي تتجاوز التعريف التقليدي بمبادرة الأمن العالمي الى الإطار الأوسع؛ واضعاً الأمن في المقام الاول كشرط تأسيسي لأي مسار تنموي مستدام، انطلاقاً من قناعته أن توفير “البيئة الآمنة” لا يمثل نتيجة للتنمية بقدر ما هو شرطاً مسبقاً لها. فغياب الأمن، وفقاً لتصوره، لا يهدد الاستقرار السياسي في الدولة و/او الدول فقط، بل يساهم في افشال قدرة المجتمعات على تحقيق طموحاتها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية المستدامة، ويحول مسارات التنمية وخططها التنفيذية من مسار تراكمي قابل للبناء عليه إلى هدف يصعب تحقيقه او اجزاء منه في ظل بيئة امنية مضطربة او صراع قائم.
هذه الرؤية الصينية بعيدة المدى؛ تكتسب أهميتها في ضوء التغيرات التي يشهدها النظام الدولي وحالة عدم الاستقرار التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط. فالمشهد الحالي، كما عرضه السفير، لم يعد يعكس فقط اضطرابات إقليمية متفرقة، وإنما يكشف عن مرحلة غامضة تتآكل فيها قواعد التوازنات التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بالتزامن مع تصاعد العنف والصراعات وتعدد مراكز انتاج القوة وتراجع القدرة على ايجاد ترتيبات أمنية مستقرة تقبلها الاطراف المتنازعة. انطلاقاً من هذا التصور للمشهد المضطرب، ظلت فلسطين حاضرة لا كحالة هامشية، بل كإحدى أكثر ساحاته سخونة؛ وتداخلت فيها اعتبارات الأمن والسيادة والتنمية مع استمرار الصراع، ما جعل الشعب الفلسطيني، وفق توصيف السفير، “يواجه تحديات متراكمة في الأمن وفي مختلف مجالات الحياة”.
عند هذه النقطة، لم يتعامل السفير مع توصيف الامن بوصفه قضية عسكرية في مفهومها الضيق، بل قدمه باعتباره بيئة حاضنة وحجر الاساس للتنمية والاستقرار. وهذه نقطة مركزية في فهم مقاربة الصين للأمن: “فالأمن لا ينفصل عن التنمية، وهي بدورها لا تستقيم في بيئة يسودها الصراع وحالة عدم الاستقرار”. هذه الرؤية الشاملة تفتح مسارات نحو سياسة قائمة على معالجة جذور حالة عدم الاستقرار، بدلاً من البحث عن خطط لإدارة نتائجه.
في سياق متصل، انتقل السفير من تشخيص أزمة الأمن الدولي والإقليمي إلى تحديد موقع الصين داخل المعادلة الجديدة. وقدم الصين بوصفها قوة كبرى تتحمل، بحكم مواردها وامكانياتها وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن، مسؤولية متزايدة تجاه الأمن والاستقرار الدوليين، بما يتجاوز حدود مصالحها المباشرة. وفي هذا الإطار، أشار إلى أن بكين لا تكتفي بمتابعة الأزمات الدولية، وإنما تسعى إلى طرح مبادرات للحلول وتسوية النزاعات، وتشارك في قوات حفظ السلام الدولي في معظم مناطق النزاع في العالم، مستندة إلى رؤية ترى فيها أن إدارة الصراعات لا يمكن أن تنفصل عن معالجة البيئة الدولية التي تنتجها.
هذا الطرح يكتسب مدلولات أكبر عند ربطه برؤية الرئيس الصيني شي جين بينغ للأمن، خاصة المبادرات التي طرحها لإعادة صياغة مفهوم الأمن في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، أشار السفير إلى المبادرة ذات النقاط الأربع التي طرحها الرئيس شي خلال زيارته الأخيرة للقاهرة ولقائه بالرئيس السيسي؛ والقائمة على (1) تحفيز الزخم الداخلي للأمن المشترك في المنطقة، (2) دفع الحوكمة الشاملة للأمن المشترك، (3) ترسيخ التنمية كأساس للأمن المشترك، و (4) تعزيز التنسيق الدولي من أجل تحقيق الأمن المشترك.
في الواقع، النقاط الأربع التي اوردها الرئيس شي تتناقض تماماً مع مفهوم الامن التقليدي القائم على التحالفات العسكرية و/أو تباين موازين القوى والردع، وتعيد الامور الى مكانها الطبيعي. بعبارة اخرى، تكشف هذه النقاط عن إعادة تعريف لمفهوم الأمن الإقليمي والدولي الذي يجب ان يسود.
النقطة الأولى: تنطلق من قناعة راسخة مفادها ان الأمن في الشرق الأوسط ينبغي أن يكون داخلياً وطنياً، وليس رهينة للضمانات الامنية الخارجية غير الموثوقة و/او المزاجية المتقلبة؛ النقطة الثانية؛ تأطير مفهوم الأمن ليشمل الحوكمة وآليات العمل الجماعي المشترك. عند هذه النقطة تبرز فلسطين بوصفها قضية مركزية في قلب الشرق الاوسط؛ والقضية الاكثر اختباراً لمواقف الدول الساعية للأمن والاستقرار والحوكمة. هنا، وضع السفير القضية الفلسطينية في قلب الرؤية الصينية باعتبارها “القضية المركزية في الشرق الأوسط”، مؤكداً أنه لا يمكن انتاج امن اقليمي فعال دون تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية. وفقاً لهذا المنطق العقلاني، فإن محاولات ايجاد ترتيبات او صيغ أمنية جديدة في المنطقة دون حل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني من جذوره؛ او محاولات ابقاء فلسطين خارج معادلات الامن في الشرق الاوسط؛ هي وصفات كاملة للفشل ولن تؤدي الا الى مزيد من الصراعات.
والثالثة؛ تؤسس لمسار متين يربط الأمن بالتنمية، بما يعكس الفلسفة الصينية القائلة بأن “الفقر والتهميش وغياب افاق التنمية يخلق حالة من عدم الاستقرار المؤكدة”؛ النقطة الرابعة في مبادرة الرئيس شي، تضع التشاور والتنسيق الدولي كإطار اساس لدعم الأمن العالمي المشترك، بعيداً عن فرض ترتيبات او املاءات أمنية من الخارج.
على هذا النحو، تبدو رسالة بكين أكثر وضوحاً ومنطقية: الأمن في الشرق الأوسط، لا ينبغي أن يبنى على إدارة فوارق القوة- او ما يطلق عليه “التفوق النوعي العسكري” وإنما على إعادة بناء شروط الأمن المشترك نفسه. فالأمن للجميع وليس لطرف على حساب الطرف الاخر؛ وهذه نقطة اساسية في فهم مبادرة الأمن العالمي (GSI)؛ فهي ترفض ان يكون الطرف الاقوى هو من يحدد صيغة وقواعد ومفاهيم الامن؛ وتشدد على ان دول المنطقة نفسها هي صاحبة الحق الحصري في إنتاج معادلة الأمن، وليس تفصيلاً لترتيبات الاخرين. بهذا المعنى، ننتقل من مفاهيم المنافسة في صياغة وتشكيل امن المنطقة وفقاً للمعايير المزدوجة؛ الى إطار شامل يعطي الأولوية لمفهوم الأمن المشترك، والتنمية المستدامة والحوكمة الرشيدة، ويمنح الدول الإقليمية مساحة أكبر في تحديد قواعد الأمن التي تحكم بيئتها.
على المستوى الدولي، يؤكد السفير تشن ان بلاده تضع دائماً إعادة الاعتبار للأمم المتحدة ومؤسساتها بما فيها مجلس الامن الدولي في صلب اهتماماتها للأمن الجماعي الدولي، وتتخذ من سياسة حل النزاعات عبر الحوار والتشاور والمفاوضات منطلقاً لعملها، بعيداً عن التفرد بالقرار أو إملاء الترتيبات والقيود الأمنية من جانب واحد. وينطلق هذا التصور من مفهوم “الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام”، القائم على احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وأخذ شواغلها الأمنية المشروعة بعين الاعتبار، والتعامل مع مصادر الأمن التقليدية وغير التقليدية ضمن مقاربة متكاملة. وبالتالي، لا تقبل بكين الأمن بوصفه حصيلة لموازين القوة فقط، بل باعتباره محصلة لتعدد مراكز انتاج القوة في العالم. هذه القوى في مجموعها قادرة على المساهمة في حفظ الامن والاستقرار بصورة أكثر توازناً ومسؤولية مشتركة مقارنة بحالة التفرد في إدارة الأزمات والتي تنتهي عادة بمزيد من الحروب وتنعكس سلباً على معظم دول العالم.
وفي إطار حديثه عن الثوابت في السياسة الخارجية الصينية، أكد السفير تشن ان المبدأ الراسخ لبلاده في رسم العلاقات الدولية، يقوم على “معارضة الصين دائماً اللجوء إلى استخدام القوة أو التهديد باستخدامها”، و”تلتزم وتشجع على حل الخلافات والنزاعات بين الدول بالطرق السلمية من خلال الحوار والتشاور”. انطلاقاً من هذا المبدأ الراسخ، ترى بكين ان الدول سواء كانت كبيرة كانت أم صغيرة، قوية أم ضعيفة، غنية أم فقيرة، ينبغي أن تكون متساوية في الحقوق كما في الواجبات الدولية، وأن تتشاور فيما بينها في حل قضاياها وإدارة شؤونها الداخلية، بعيداً عن لغة التهديدات والحروب.
على هذا الأساس، تتمسك الصين بمبدأ حل الدولتين باعتباره المسار الاكثر قبولاً والاكثر واقعية لحل الصراع الاسرائيلي-الفلسطيني. وهو المسار الوحيد الذي تعتقد بكين انه قادراً على ترجمة مفهوم الأمن المشترك نحو تسوية سياسية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية. فالأمن، في الرؤية التي قدمها السفير، لا يجب أن يكون امتيازاً لطرف على حساب أمن الطرف الآخر؛ بل ينبغي أن يكون حقاً متساوياً للجميع، وهذا يشمل، حق الشعب الفلسطيني في العيش بأمن وسلام واستقرار في دولته وعلى ارضه ووطنه على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمته القدس الشريف.
هذا الطرح يرتبط بفلسفة أوسع تقوم عليها السياسة الخارجية لبكين منذ عقود، جوهرها عدم الانحياز، وعدم الذهاب للمواجهة، وعدم استهداف طرف ثالث. بالمقابل، بناء الشراكات على أساس المنفعة المتبادلة، وهي مقاربة تحاول بكين ترسيخها عبر أطر وهياكل عالمية متعددة؛ منها على سبيل المثال، منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، بعيداً عن منطق التحالفات العسكرية الموجهة وسياسة الاستقطاب الصفري. ولذلك تنظر الصين إلى الأمن المشترك باعتباره مدخلاً لتقليص الحاجة إلى القوة، وإلى الحوار والتعاون البناء باعتبارهما أدوات لتوسيع هامش الحلول الممكنة. وفي الحالة الفلسطينية تحديداً، يعني ذلك أن أي ترتيبات أمنية لا تعالج أصل الصراع ولا توفر الأمن للفلسطينيين في دولتهم ستكون حلول قاصرة ومؤقتة ولن تنهي الصراع.
واختتم السفير تشن مداخلته بالتأكيد على أن الأمن العالمي لا يمكن أن يتحقق بمنطق التجزئة أو الأمن المنفرد لكل دولة، بل من خلال التشاور والبناء والتقاسم المشترك للمسؤولية والنتائج. على اعتبار ان الامن العالمي وحده هو الأمن الذي يمكن الوثوق به، وبعكس ذلك، فإن سعي أي طرف إلى تحقيق أمنه على حساب أمن الآخرين لن ينتج امناً ولا استقراراً، بل يعيد إنتاج وتدوير زوايا ومصادر التوتر والصراع من جديد. من هذه الزاوية، تبدو القضية الفلسطينية اختباراً عملياً لمفهوم الأمن المشترك الذي تطرحه الصين؛ ولا يمكن الحديث عن منظومة أمن إقليمية مستقرة طالما أن امن وسيادة وحقوق فلسطين مصادرة من طرف آخر. وبالتالي، فإن الدول الكبرى تتحمل المسؤولية الاخلاقية والقانونية والسياسية الكاملة عن؛ (1) حماية واحترام النظام والقانون الدوليين و(2) ميثاق ومبادئ ومقاصد الأمم المتحدة وكل ما صدر عنها من قرارات لصالح القضية الفلسطينية بشكل مباشر؛ فالأمن لا يمكن أن يُبنى على إدارة الصراع أو احتواء تبعاته، ولا على مصادرة حقوق الشعوب. وإنما على معالجة جذوره السياسية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من تجسيد قيام دولته المستقلة كاملة السيادة على ترابه الوطني وفقاً لمقررات الشرعية الدولية وقرارات مجلس الامن الدولي.
