من حسن الطالع أن تتزامن أمسية “نفحات روحية من أرض المعمودية”، التي احتضنها المدرج الروماني في عمّان، مع كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة في اليوم ذاته، وكأن صوت الأردن في عمّان وصوته في المحفل الدولي التقيا في رسالة واحدة عنوانها: السلام، والأخوّة، وحماية الإنسان، والدفاع عن حقيقة الإيمان.
ففي الوقت الذي كان فيه قرابة ثلاثة آلاف شخص يجتمعون في المدرج الروماني، بتنظيم من المعهد الملكي للدراسات الدينية والمركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، كانت كلمات جلالة الملك تتردد من نيويورك: “نحن نحمي المسيحية –مجتمعاتها وإرثها– في موطنها الأصلي والتاريخي، بينما ندافع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه أصوات الكراهية”.
إنها عبارة متوازنة ككفتي ميزان. الكفة الأولى هي حماية المسيحية وحضورها التاريخي الأصيل في هذه المنطقة، في وقت يواجه فيه المسيحيون، جنبًا إلى جنب مع إخوتهم المسلمين في الأراضي الفلسطينية، ظروفًا قاسية وتحديات تطال الإنسان والمقدسات والمؤسسات الدينية والتعليمية.
أما الكفة الثانية، فهي الدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة محاولات ربطه بالعنف والتطرف والإرهاب. ومنذ سنوات طويلة، حمل الأردن هذه الرسالة إلى العالم، مؤكدًا أن التطرف لا يمثل الدين، وأن الإرهاب لا يمكن أن يُنسب إلى عقيدة بأسرها، وأن مواجهة الكراهية تكون بثقافة الحوار والاحترام المتبادل والعيش المشترك.
وهذا بالضبط ما جسدته أمسية المدرج الروماني. فقد ارتفعت الترانيم المسيحية إلى جانب الأناشيد الإسلامية، ووقف الموسيقيون والمرنمون والمنشدون على خشبة واحدة، أمام أسرة أردنية واحدة، ليقولوا للعالم إن وحدتنا الوطنية ليست شعارًا عابرًا، بل كنز ثمين نتمسك به ونصونه.
ومن هنا تأتي دلالة عنوان الأمسية: “نفحات روحية من أرض المعمودية”. فعلى أرض الأردن، وفي مياه نهره المبارك، جرت معمودية السيد المسيح قبل نحو ألفي عام، ومن هنا انطلقت رسالته حاملة البشرى والرجاء والمحبة والسلام.
واليوم، ونحن نتطلع إلى عام 2030 وإحياء ذكرى مرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح، فإننا لا نتحضر لمناسبة دينية فحسب، بل لاستحقاق أردني وعالمي كبير. إنها فرصة لكي نقدم الأردن للعالم بوصفه أرض المعمودية، وأرض الأنبياء، وأرض الوئام، والعيش الطبيعي والمتناغم بين المسلمين والمسيحيين.
والتحضير لعام 2030 لا يكون فقط بالبنية التحتية واستقبال الحجاج والزوار، بل أيضًا بصياغة سردية أردنية راقية تصل إلى العالم كله: سردية وطن آمن ومستقر، يحمل رسالة السلام والاعتدال، ويحفظ تراثه الديني والإنساني، ويفتخر بوحدته الوطنية.
لقد كانت أمسية المدرج الروماني أكثر من حفل موسيقي؛ كانت رسالة أردنية بالصوت والصورة. وبين صوت الأجراس وصوت المآذن، وبين عمّان ونهر الأردن، نقول للعالم ونحن نسير نحو 2030: هذه أرض المعمودية، وهذه أرض الأخوّة، ومن هنا نريد أن تتجدد رسالة السلام.
