لا يوجد في بلدنا “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، لكن لدينا تيارات سياسية تتقمص هذا الدور وتستخدمه وفق حساباتها ومصالحها ، تتعامل مع الدين باعتباره سوقا مزدحما بالعروض ، وظيفته الدعاية وليس الهداية،، وبإسمه تحاول أن تصنف الناس وتفرض عليهم شروط الطهارة والعفة كما تقررها ، وتحرمهم -متى شاءت -من رحمة الله ، وتهددهم بالعذاب الذي ينتظرهم إذا اختلفوا معها أو انتقدوها ،ثم تفجر فيهم إذا لم يبصموا لها بالعشرة.
الأخطر في قضية استخدام الدين، كما تفعل هذه التيارات السياسية ، هو محاولة تهشيم صورة الدولة وحشرها في زوايا ضيقة تربك حركتها، ثم تستنزف ثقة الناس بها ، الهدف أن تتحول إلى فصيل ملحق داخل الدولة ، يرفع شعارات الآخرين ويمارس أدوارهم ويمجد مواقفهم وبطولاتهم، اختزال الدولة هنا في مهرجانات أو حفلات غنائية ، أو استدعاء تقارير إسرائيلية عن المناهج ثم محاولة فبركتها، أو المزاودة على التشريعات بحجة أنها خلت من عبارة “مع مراعاة أحكام الشريعة”، هذا وغيره الكثير مما شهدناه يصب في حفرة واحدة مقصودة هي مناكفة الدولة لمقايضتها، والاستقواء عليها باسم الدين ، ومن خلال تأجيج مشاعر المتدينين.
الدولة الأردنية ،كما وصفها الملك في الورقة النقاشية السادسة ، دولة مدنية، تستمد مدنيتها من مدنية المجتمع ، لانه لا يوجد في خبرتنا التاريخية دولة دينية أصلاً ، وهي دولة مؤسساتية ينتصر فيها القانون للجميع، لا خصومة لها مع الدين ، فهي تحترمه وتستند إليه في معظم تشريعاتها، وتضمن للأردنيين كلهم حق ممارسة شعائرهم الدينية ، وتجرم أي إساءة لمعتقداتهم ومشاعرهم ، لكنها لا تسمح لأي طرف او طبقة سياسية أن توظف الدين لحساباتها ، أو أن تستخدمه كسلطة موازية لسلطة الدولة.
في بلدنا ، كما في تجربتنا التاريخية ،متدينون وغير متدينين، الدولة لا تتدخل لإجبار أحد أو إكراهه على الدخول في الدين أو ممارسة شعائره، كما أنها لا تتدخل في حرياته وخصوصياته وخياراته ما لم تشكل تهديداً أو إساءة للنظام العام وحريات الآخرين ، هذا منطق الدين الصحيح أصلا، ما فعلته بعض التيارات الدينية التي تسللت الينا وأقحمت الدين في السياسة يشبه تماماً مافعله المعالج بالرقية الشرعية الذي ضُبط بتهمة ممارسة الضرب بحجة العلاج ، هذا ألحق ضرراً كبيراً بالمريض ، وهؤلاء حاولوا تكسير فكرة الدولة ،،وتعميق الانقسامات داخل المجتمع ، وألحقوا الخسارة بالدين والسياسة معاً.
من حظ الأردنيين أن المزاج الديني الذي تأسست عليه دولتهم كان مزاجاً معتدلا ، التدين كان، أيضا ، بسيطاً ومزدحماً بصور السماحة واحترام التنوع والاختلاف ورفض التطرف والغلو ، لكن في غفلة تسربت لمجتمعنا هذه التيارات التي حملت الدين كسلطة واحتكار، شكليات وطقوساً وشعارات ، فأنتجت ما نراه اليوم من صراعات داخل الدين وعليه ، الآن لا بد ان نواجه هذا التدين المغشوش بمزيد من الوعي والخلق وكشف الأخطاء، لا مصلحة لنا أبدا بالسماح لأي طرف باختطاف الدين أو استخدامه كعصا غليظة لتخويفنا ، او فرض الوصاية علينا وإدخالنا إلى قفص السمع والطاعة
2
