وقد يكون أخطر ما نفعله في منازلنا ومدارسنا أن نخلط بين الطفل المطيع والطفل الموهوب، أو بين سرعة الحفظ وعمق التفكير. فالطفل كثير الأسئلة قد يبدو مزعجًا، والذي يفكر بطريقة مختلفة قد يبدو صعبًا، والذي لا يقبل الإجابات الجاهزة قد يُتهم بالعناد. بينما تكون هذه الصفات أحيانًا أولى إشارات عقل يبحث ويجرب ويصنع طريقه الخاص. وقد نخسر بعضهم بسبب تصنيف متعجل، حين نظن أن الهدوء علامة الذكاء الوحيدة، وأن التفكير غير المألوف علامة اضطراب أو ضعف.
الأسرة من أولى الجهات القادرة على التقاط إشارات الموهبة. اكتشاف الموهبة لا يحتاج لمختبرات معقدة في البداية، بل لعين والدية لماحة تطرح أسئلة ذكية: كيف يعبّر الطفل عن مشاعره؟ كيف يفكك ألعابه ويُعيد تركيبها؟ ما الذي يستغرق فيه بسعادة دون أن يشعر بالوقت؟ ثم يأتي دور المدرسة لتبني على هذه الشرارة وتمنحها مجالًا للنمو. المعلم يحتاج إلى الوقت والأدوات التي تساعده على رؤية ما وراء العلامة؛ نحتاج إلى تعليم يسأل الطفل: “كيف تفكر؟” لا ماذا حفظت.
ثم تأتي قضية أكثر حساسية: عدالة الفرص، وأثر البيئة والجغرافيا في اكتشاف الموهبة. فالطفل الذي يولد في أسرة قادرة يستطيع أن يجرب الفنون والعلوم والرياضات والبرمجة واللغات، وأن ينتقل من نشاط إلى آخر حتى يكتشف شغفه الحقيقي. أما طفل آخر يمتلك الاستعداد نفسه، لكنه يعيش في بيئة محدودة الموارد أو منطقة نائية، فقد لا تتاح له آلة موسيقية، أو أدوات فنية، أو مختبر مجهز، أو ملعب مناسب، ولا يجد مرشداً يقول له: “أنت موهوب”. هنا لا تضيع فرصة فردية فحسب، بل يخسر المجتمع كاملاً طاقة حضارية كان يمكن أن تصبح اختراعاً، أو عملاً فنياً خالداً، أو مشروعاً إنسانياً يغير حياة الآخرين. إنها خسارة مضاعفة في بنيتنا المستقبلية.
ولأن الموهبة لا تنمو داخل مؤسسة واحدة، فلا بد من نظام بيئي متكامل لا تتوقف فيه الرعاية عند انتهاء مسابقة أو تكريم عابر. الموهبة مسار طويل يحتاج مرشداً، وتدريباً مستمراً، وبنية تحتية تحتضن النمو. يمكن للجامعات أن تفتح معاملها لطلبة المدارس في العطلات، وللمؤسسات الثقافية والأهلية أن تحتضن الكتّاب والرسامين الصغار، وللأندية الرياضية والشركات التقنية أن تبحث عن الموهوبين في الأطراف والمناطق البعيدة وتوفر لهم المنح والتدريب. إن احتضان الموهبة استثمار حضاري واجتماعي واقتصادي يقي المجتمع من هدر الطاقات ومن الإحباط المتراكم.
لكن رعاية الموهبة لا تعني تحويل الطفل إلى مشروع نجاح دائم يثقل كاهله. الطفل الموهوب يبقى طفلاً قبل كل شيء؛ يحتاج إلى اللعب، والراحة، والأصدقاء، وحقه الأصيل في الفشل والتراجع دون خوف. بعض الأسر تكتشف موهبة ابنها فتضع فوق كتفيه توقعات أكبر من سنه، وتحول كل نشاط إلى منافسة شرسة وكل خطأ إلى خيبة أمل. وهنا تنقلب الموهبة من مصدر فرح إلى عبء ثقيل، ومن مساحة حرية إلى مصدر قلق دائم. الموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى من يصرخ بها، بل إلى من يحتضنها بهدوء حتى تكتمل وتثمر.
الدول والمجتمعات لا تتقدم فقط بما تملكه من ثروات طبيعية في أراضيها، بل بما تستطيع اكتشافه ورعايته داخل عقول أبنائها. والموهبة التي لا تجد من يراها قد تتحول إلى طاقة معطلة أو إحباط مزمن، أو إلى إنسان يعيش عمره وهو يشعر أنه كان قادرًا على تقديم شيءٍ أعظم لمجتمعه وللعالم من حوله. والهدر هنا لا يُقاس بساعات ضائعة، بل قد يكون عمرًا كاملًا لا يجد فيه الإنسان الطريق إلى ما كان قادرًا على أن يصبحه.
لسنا بحاجة إلى صناعة الموهوبين من العدم؛ فهم بيننا، في البيوت والمدارس والقرى والمدن، وكثير منهم ينتظر فقط عينًا تعرف كيف تراه. ما نحتاجه هو أن نتعلم كيف نراهم بوعي، وكيف نمنحهم فرصة عادلة، وكيف نرافقهم في رحلتهم دون أن نخنقهم بالتوقعات. إن إنقاذ موهبة واحدة وتعهُّدها هو إنقاذ لعالم لم نره بعد، وفكرة لم تولد بعد، ولون لم يخطر ببال أحد. فالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله لأنفسنا دائماً ليس: “كم موهوباً نملك؟” بل: “كم موهبة سننجح في ألا نخسرها، قبل أن تفقد هي إيمانها بنا؟”.
