لبيت دعوة رسمية هذا الأسبوع لحضور حفل ختام الدورة السابعة من مهرجان عمّان السينمائي الدولي، الذي أقيم في موقع استثنائي هو جبل القلعة، أحد أبرز المعالم الأثرية والتاريخية في العاصمة عمّان. ومن يقف على هذا الجبل يدرك أن عمّان ليست مدينة عابرة في التاريخ، بل هي مدينة تتعانق فيها الحضارات، وتلتقي فيها الأديان، وتروي حجارتها قصة وطنٍ ضاربٍ في جذور الزمن، ومتطلعٍ بثقة إلى المستقبل.
قبل بدء الحفل، توقفت عند الكنيسة البيزنطية التي تعود إلى القرن الخامس الميلادي، وهي من أقدم الكنائس في عمّان، ثم مررت بالمسجد الأموي العائد الى القرن الثامن للميلاد. وفي هذه المسافة القصيرة بين الكنيسة والمسجد، تتجسد رسالة الأردن الحقيقية؛ رسالة العيش المشترك، واحترام التنوّع، وصناعة المستقبل انطلاقًا من إرث حضاري وإنساني عريق.
وعلى قمة هذا الجبل التاريخي، أقيم حفل الختام الذي حضرته للمرة الأولى، فوجدت تنظيماً راقياً، واستقبالاً كريماً، وإعداداً احترافياً يعكس المكانة التي بات يحتلها هذا المهرجان على المستويين العربي والدولي. وقد شرّف الحفل أصحاب السمو الملكي الأمير علي بن الحسين، رئيس مجلس مفوضي الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، ورئيسة المهرجان الأميرة ريم علي، إلى جانب نجليهما الأمير عبدالله والأميرة جليلة . وكان من الجميل أن تكون الكلمات قصيرة ومركزة، تاركةً للفن والصورة والسينما أن تؤدي رسالتها.
وقد اختار المهرجان هذا العام شعار “ما وراء الإطار”، وهو عنوان يحمل دلالات عميقة؛ فالفيلم لا يقتصر على ما يظهر داخل الكادر، بل يدعو إلى التأمل فيما وراء الصورة، في الإنسان وقصته وقيمه ورسالته. وهذا ما يحتاجه عالمنا اليوم: أن ننظر إلى ما وراء الأحداث، وأن نكتشف في الفن مساحة للحوار، وللتفاهم، ولإبراز القيم الإنسانية المشتركة.
ولا يقتصر أثر هذا المهرجان على الاحتفاء بالأفلام وصنّاعها، بل يدفعنا إلى التفكير في مستقبل صناعة السينما والفنون في الأردن. وقد تزامنت فعالياته هذا العام مع مهرجان جرش للثقافة والفنون بدورته الأربعين، في مشهدٍ يؤكد أن الحراك الثقافي الأردني يشهد نضجاً متزايداً، وأن الاستثمار في الثقافة والفنون أصبح جزءاً من مشروعنا الوطني في “الإرث الذي يمتد والأجيال التي تلتقي” كما يقول شعار جرش هذا العام.
ومن هنا تبرز أهمية ما يُتداول اليوم حول السردية الأردنية: فهي ليست مجرد إعادة سردٍ للتاريخ أو توثيقٍ للأحداث، بل هي تقديم الأردن للعالم كما هو: وطنٌ يمتلك حضارةً عريقة، ويعيش حاضراً مليئاً بالإنجاز، بقيادته الهاشمية الحكيمة، ويتطلع إلى مستقبلٍ أكثر إشراقاً وانفتاحاً. والفن، وفي مقدمته السينما، هو إحدى أهم اللغات القادرة على نقل هذه السردية إلى الشعوب، بعيداً عن الخطابات التقليدية.
ولا بدّ من الإشادة بالدور الذي تقوم به سمو الأميرة ريم علي، سواء في دعم الإعلام من خلال معهد الإعلام الأردني، أو في رعايتها لمهرجان عمّان السينمائي، بالتعاون مع الهيئة الملكية الأردنية للأفلام. إنها جهود تستحق كل تقدير، لأنّها تسهم في بناء الإنسان، وتعزّز صورة الأردن بوصفه مركزاً للإبداع، وجسراً للحوار، ورسالةً حضارية تنطلق من عمّان إلى العالم… إلى ما وراء الإطار. وإنّ إقامة الحفل الختامي للمهرجان على جبل القلعة، لهو دعوة أيضا إلى دعم السياحة التاريخية والدينية إلى بلادنا المقدّسة والعريقة.
