عروبة الإخباري – د. ليليان قربان عقل –
في الخامس من آب عام 1876، وفي حي المنشية في مدينة الاسكندرية في بلاد الكنانة ، خرج إلى النور العدد الأول من جريدة “الأهرام”، بأربع صفحات متواضعة الحجم، عظيمة الأثر . لم يكن الأخوان اللبنانيان سليم وبشارة تقلا، وهما الشابان اللذان غادرا كفرشيما ليستقرا على ضفاف المتوسط المصري، يدركان حينها أنهما يضعان حجر الأساس لأعرق صحيفة عربية لا تزال تصدر حتى الان ومن دون انقطاع . كان الترخيص الرسمي قد صدر في 27 كانون الأول عام 1875 في عهد الخديوي إسماعيل، لكن الحلم لم يكتمل إلا مع صدور العدد الاول معلناً بدء مسيرة تمتد قرنًا ونصف القرن والعطاء مستمر .
اليوم، ونحن نحتفي بهذه الذكرى المئوية والنصف، لا نحتفي فقط بعمر جريدة، بل بحقبة كاملة من العطاء الفكري والتأثير النهضويّ والحداثوي. فمنذ أن حرر سليم تقلا افتتاحية العدد الأول، معلنًا أن الجريدة تعنى بتقديم الفوائد المعرفية بقيت الأهرام وفيّة لهذا العهد ملتزمة الدقة والصدقية واحترام الخبر والدفاع عن الحقيقة . كان سليم، رئيس التحرير ، يعتبر الصحافة رسالة ووظيفة تأبى على حاملها أن يزل في لفظ أو يخطئ في تعبير . و تولّى اخوه بشارة الإدارة والتعريب عن الصحف الأجنبية مما زاد من غنى الجريدة وجعلها مرجعاً خبرياً وفكريا افاد منه المصريون والعرب .
بدأت “الأهرام” دورية أسبوعية تصدر كل يوم سبت، ثم تحولت بعد ذلك في تشرين الاول إلى مجلة نصف شهرية ، قبل أن تستقر يومية اعتبارًا من مطلع عام 1881. وفي تشرين الثاني عام 1899 انتقل مقرها من الإسكندرية إلى القاهرة، لتواكب تحول العاصمة إلى مركز الثقل السياسي والثقافي . وتركّز دورها بان كانت شاهدًا يوميًا على المحطات المفصلية التي عرفتها مصر والمنطقة ، من أواخر عهد الخديويين، إلى الزمن البريطاني، فثورة 1919، فالاستقلال، فثورة يوليو، فحرب أكتوبر، وصولًا إلى تحولات العقود الأخيرة. ولم تكن الاهرام وسيلة خبرية، بقدر ما كانت شريكة في صناعة الحدث والخبر ، ومنبرًا لكبار الاقلام والمفكرين الذين اسهموا بدفع الوعي العربي نحو النهضة العربية الحديثة . و ما يميز مسيرة الأهرام هو قدرتها على التجدد دون أن تفقد هويتها ولا تبدّل اهدافها المعرفية وخدمة الحقيقة . فهذه المؤسسة الصحفية بدأت بمطبعة صغيرة في شارع البورصة بالإسكندرية، وما لبثت ان تحولت إلى صرح إعلامي متكامل يضم إلى جانب الجريدة الأم مطبوعات متخصصة، ومركزًا للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ومنصات رقمية تواكب عصر الإعلام الرقمي . و من اسباب بقاء الأهرام ، جريدة حرة ومؤسسة بحثية أنها لم تتحصن خلف تاريخها، بل استخدمته كرافعة للتطور المستمر والعطاء النوعي الدائم .
في هذا اليوبيل ، نستعيد وصية سليم تقلا لنفسه وللصحافيين من بعده ، وهي التحري والدقة والتحلي بمناقبية اخلاق المهنة . فالأهرام، بقدر ما هي ذكرى مئة وخمسين عامًا، هي أيضًا اختبار لما تبقى من قيم الصحافة الرصينة في عالم يتغير بسرعة تفوق سرعة الخبر .
مئة وخمسون عامًا على صدور أول عدد من الأهرام بأربع صفحات ، تطورت لأن تصبح منارة فكرية على مستوى العالم العربي ، ما جعلها دائرة معارف مفتوحة على غنىً ثقافي واسع المجالات .
يبقى السؤال الذي طرحه المؤسسان الأخوان تقلا ، حول ما إذا كانت قيمة الكلمة المكتوبة قادرة على أن تكون أمينة على الحقيقة، ومنارة للعقل، وذاكرة للوطن ؟
مع احتفالية ، قرن ونصف على الاصدار ، نحيي الدور المعرفي والتنويري للأهرام وهيئات التحرير والكتاب الذين أثروا الفكر العربي بعطاء نوعي ، ونعتز ان الأخوين سليم وبشارة تقلا شكلا نموذجا رائدا لدور اللبنانيين في تأسيس الصحافة العربية والمهجرية وإغناء الفكر العربي بالكثير من الإبداعات التي طبعت النتاج الادبي والفكر السياسي بعلامات التمايز.
د.ليليان قربان عقل
استاذة جامعية
