لم تجف دموع الأردنيين بعد على وفاة طالبة الطب نور حتى بدأ الجميع يردد العبارة ذاتها “رحمها الله”، السؤال الذي يجب أن يُقال بصوت أعلى هو من التالية؟ نعم، قد يبدو السؤال قاسياً لكنه أكثر واقعية من أن نهرب منه، فكلما وقعت جريمة قتل تهز الرأي العام نغضب أياماً، ونكتب كلمات الرثاء، ثم تمضي الحياة كأن شيئاً لم يكن، إلى أن يأتي اسم جديد، ووجه جديد، وأسرة جديدة تعيش المأساة ذاتها.
قضية “نور” ليست مجرد حادثة جنائية قيد التحقيق، بل جرس إنذار، الفتاة من أسرة محافظة وطالبة طب في واحدة من أصعب الكليات، تتدرب في مستشفى مشهور يقع في قلب العاصمة عمّان المعروف بأمنه وأمانه، إذا كانت هذه البيئة بكل ما فيها من تعليم واستقرار لم تمنع وقوع الجريمة، فكيف هو حال الفتيات اللواتي يقطعن مسافات طويلة يومياً، أو يعملن حتى ساعات متأخرة، أو يعشن في مناطق أقل حظاً من حيث الخدمات والأمن؟
لا أكتب هذا لأزرع الخوف بل لأزرع المسؤولية، صحيح أن الأردن يعد من الدول التي تسجل معدلات جرائم قتل أقل من كثير من دول العالم، لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للاطمئنان، فالمواطن لا يقارن أمنه بدولة أخرى، بل يقارنه بحقه الطبيعي بخروج أفراد أسرته من منزلهم والعودة إليه سالمين.
كما من الظلم أيضاً أن نختزل المشكلة في التشريعات وحدها، فالقانون الأردني يفرض عقوبات مشددة على جرائم القتل، لكن التجارب في كل دول العالم أثبتت أن العقوبة، مهما بلغت شدتها، لا يمكن أن تمنع وحدها الجريمة، إن الردع الحقيقي يبدأ عندما يشعر المجرم أن اكتشاف جريمته حتمي، وأن العقوبة سريعة، وأن المجتمع يرفض العنف ولا يتسامح معه، لكن في المقابل، لا يجوز إعفاء التشريعات والسياسات العامة من المراجعة، فكل جريمة يجب أن تدفعنا إلى سؤال أنفسنا: هل توجد ثغرات يمكن سدّها؟ هل نحتاج إلى تشديد العقوبات في بعض الجرائم؟ هل هناك حاجة إلى مزيد من كاميرات المراقبة في الشوارع وحول الجامعات والمستشفيات ومحطات النقل؟ هل نحتاج إلى وسائل نقل أكثر أماناً للطالبات والمتدربات؟ هل لدينا برامج كافية ترصد أصحاب السلوك العنيف قبل تحولهم إلى قتلة؟ وهكذا.
لا تقف المسؤولية عند الحكومة وحدها، فالأسرة مطالبة أن تربي أبناءها قبل بناتها على احترام المرأة وعلى حرمة الدم، وأن تعلّم أفرادها أهمية الإبلاغ عن أي تهديد أو ملاحقة أو ابتزاز، ليس أن تطلب منهم الصمت خوفاً من كلام الناس، كما الجامعات مطالبة بأن تجعل سلامة طلبتها جزءاً من رسالتها التعليمية، لا مجرد مسؤولية فردية، ووسائل الإعلام مطالبة كذاك بأن تكون شريكاً في نشر الوعي، لا مصنعاً للشائعات، فالذي يحدث في قضية نور من حيث تداول روايات غير صحيحة قبل صدور النتائج الرسمية سيلحق الأذى بعائلتها بل لربما يحول المأساة إلى ظلم آخر.
حماية المرأة ليست قضية نسوية ولا مطلباً لفئة معينة، بل قضية أمن وطني، فالمجتمع الذي تخشى فيه الأم على ابنتها وهي ذاهبة إلى جامعتها أو تخشى الأسرة فيه على ابنتها وهي في تدريبها أو عملها، هو مجتمع يحتاج إلى وقفة للمراجعة، لا إلى بيانات تعزية فقط، رحم الله نور، ورحم كل ضحية سقطت ظلماً، الدعاء وحده لا يكفي، فنحن نريد أن تتحول كل جريمة إلى درس، وكل مأساة إلى إصلاح، وكل دمعة إلى قرار، حتى لا نقرأ بعد مدة اسم فتاة أخرى ونكتب المقال نفسه ونردد الكلمات نفسها، ثم ننتظر جميعاً الضحية التالية.
بالمحصلة، الوطن العظيم لا يُعرف فقط بما يبنى فيه من جامعات ومستشفيات وطرق، بل بما يوفره من أمن وكرامة لكل إنسان حر يعيش على أرضه، وأمن المرأة ليس قضية تخص النساء وحدهن، بل هو معيار حضارة الدولة، ومرآة قوة المجتمع، واختبار حقيقي لقدرتنا جميعاً على حماية أغلى ما نملك. فمن يقرع الجرس؟
