ليس كل مقال يُكتب يترك أثرًا، فبعض المقالات تتجاوز حدود الخبر والتحليل لتتحول إلى رسالة وطنية نابضة بالأمل، وإلى شهادة وفاء لمؤسسات صنعت تاريخ الوطن ولا تزال تصنع مستقبله. وهذا ما جسدته الإعلامية رلى عبد القادر الذهيبي في مقالها المميز «من رحم المعاناة يولد الإبداع: المدرسة الرسمية… قلعة الصمود ومنارة التفوق».
في زمنٍ باتت فيه الأخبار السلبية تتصدر المشهد، وتكاد الإنجازات التربوية تُحجب خلف ركام الأزمات، يطل قلم رلى عبد القادر الذهيبي ليعيد البوصلة إلى اتجاهها الصحيح، مؤكدًا أن في لبنان مؤسسات لا تزال تصنع الأمل، وأن المدرسة الرسمية كانت وستبقى قلعةً للصمود، ومنارةً للعلم، وحاضنةً للوطنية، ومصنعًا للأجيال التي تؤمن بأن العلم هو السبيل الأسمى لبناء الإنسان.
لقد استطاعت الكاتبة، بلغة أدبية راقية وأسلوب إعلامي رصين، أن ترسم بالكلمة صورة مشرقة للمدرسة الرسمية اللبنانية، بعيدًا عن الصورة النمطية التي فرضتها الأزمات، فأعادت تسليط الضوء على حقيقة يعرفها أبناء هذا الوطن، وهي أن المدرسة الرسمية كانت وما زالت مصنعًا للنجاحات، ومنبعًا للمواهب، وحاضنةً للإبداع، رغم شح الإمكانات وقسوة الظروف.
ولم يكن مقالها مجرد وصف لحدث تربوي، بل جاء توثيقًا راقيًا لإنجاز ثقافي وفني مميز، جسّدته إبداعات طلاب الثانويات الرسمية في محافظتي الشمال وعكار على خشبة مسرح الرابطة الثقافية في طرابلس، حيث أعادوا إحياء إرث الفنان الكبير زياد الرحباني بروح الشباب وإبداعهم. وقد نجحت الكاتبة في إبراز قيمة هذا الحدث، مؤكدة أن هؤلاء الطلاب لم يقدموا عروضًا فنية فحسب، بل قدموا رسالة حضارية أثبتت أن المدرسة الرسمية تخرّج العقول المبدعة، وتصنع مثقفين وفنانين يحملون هوية وطنهم بفخر ووعي وانتماء.
لقد جمع المقال بين التوثيق والتحليل والإشادة، فجاء شهادة وفاء لكل معلم حمل رسالته بإخلاص، ولكل إدارة تربوية آمنت بأن التعليم رسالة لا تنكسر أمام الأزمات، ولكل طالب جعل من التحديات سلّمًا نحو التميز. كما أكد أن الثقافة والفنون ليستا ترفًا، بل ركيزة أساسية في بناء شخصية الإنسان وصناعة وعيه، وأن المدرسة الرسمية كانت وما زالت الحاضنة الأولى لهذا الإبداع.
إن قوة هذا المقال لا تكمن في جمال عباراته وبلاغة أسلوبه فحسب، بل في رسالته الوطنية العميقة التي تؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من المدرسة الرسمية، وأن الأوطان التي تكرّم معلميها، وتحتضن مبدعيها، وتؤمن بشبابها، هي وحدها القادرة على صناعة المستقبل.
كل التحية والتقدير للإعلامية رلى عبد القادر الذهيبي على هذا القلم الوطني المسؤول، الذي ينحاز للحقيقة، ويضيء على النجاحات بدل الاكتفاء برصد الإخفاقات، ويمنح أصحاب الإنجاز حقهم من التقدير والاحترام. فالإعلام الحقيقي ليس ناقلًا للأحداث فحسب، بل شريك في صناعة الوعي، وترسيخ الثقة، وتعزيز الانتماء، وبناء الأمل.
دمتِ صاحبة رسالة إعلامية راقية، وقلمًا وطنيًا حرًا يكتب بصدق ومسؤولية، ويؤمن بأن من رحم المعاناة يولد الإبداع، وأن المدرسة الرسمية ستبقى، مهما اشتدت العواصف، الحصن الذي يحفظ العلم، ويصنع الإنسان، ويكتب مستقبل لبنان بأحرفٍ من نور.
