اندبندنت عربية –
فتح “الاتفاق الإطاري” بين لبنان وإسرائيل مرحلة سياسية هي الأخطر منذ اتفاق “الطائف”، لأن تداعياته لا تقتصر على الحدود الجنوبية، بل تطاول التوازنات الداخلية برمتها، فالوثيقة لم تطلق مساراً تفاوضياً فقط بين دولتين، بل نقلت الصراع إلى قلب النظام اللبناني، حيث تنقسم القوى السياسية بين من يرى في الاتفاق فرصة لاستعادة الدولة وحصرية قرارها الأمني، وبين من يعتبره تهديداً مباشراً لمعادلة “المقاومة” ولموقع لبنان ضمن المحور الإيراني.
من هنا، وعلى ما يبدو سيتحول تنفيذ الاتفاق إلى مواجهة سياسية ودستورية مفتوحة، وربما إلى أزمة حكم، إذا عجزت المؤسسات عن التوفيق بين الالتزامات التي ترتبها الدولة والانقسام الداخلي حولها.
وكان تم التداول في لائحة تضم 20 حزباً لبنانياً تعارض الاتفاق، وترى فيه “اتفاق عار”، في المقابل، يقتصر التأييد الحزبي العلني حتى الآن على أربعة أحزاب هي “القوات اللبنانية” و”الكتائب” و”الوطنيون الأحرار” و”حزب الحوار الوطني”، وتستند هذه القوى في موقفها إلى قناعة بأن الاتفاق يشكل فرصة لاستعادة الدولة اللبنانية دورها السيادي، وتعزيز الاستقرار، وفصل القرار اللبناني عن مسار النفوذ الإيراني.

سوسن مهنا
في موازاة هذا الانقسام تكشف مصادر سياسية عن اتصالات ومشاورات تجرى بين شخصيات وقوى سياسية شيعية بهدف بلورة إطار سياسي معارض جديد، يستلهم في بنيته تجربة قوى الثامن من مارس (آذار) 2005، على أن يركز نشاطه داخل المؤسسات الدستورية والعمل السياسي المنظم بدلاً من المواجهة في الشارع، كذلك يهدف هذا التوجه إلى الاستعداد المبكر للانتخابات النيابية المقبلة من خلال بناء تحالفات عابرة للأحزاب التقليدية، سعياً إلى تكوين أكثرية نيابية جديدة، وتضيف هذه المصادر أن هذه المشاورات لم تقتصر على شخصيات من البيئة الشيعية، بل شهدت أيضاً مشاركة شخصيات سنية فضلت، في هذه المرحلة، عدم الإعلان عن انتظامها بصورة رسمية، فيما لا تزال هذه الاتصالات في إطارها التمهيدي ولم تتبلور بعد ضمن هيكل سياسي معلن.
أخطار كثيرة تواجه عدم تنفيذ الاتفاق
ولكن ستترتب على هذا الانقسام أخطار كثيرة، أهمها شلل في المؤسسات الدستورية إذا تحول الاتفاق إلى سبب لإسقاط الحكومة، أو تعطيل عملها، أو الدخول في أزمة تأليف طويلة، وللدولة اللبنانية تجارب كثيرة في أزمات التأليف والتكليف، أضف إلى أنه قد يتصاعد الاستقطاب الطائفي والسياسي، بحيث يعاد فرز اللبنانيين بين مؤيد لمسار الدولة ومعارض له، بما يعيد إنتاج انقسامات حادة يصعب احتواؤها، مما سيبطئ أو يعطل تنفيذ الاتفاق، ومن ثم قد يدفع إسرائيل إلى التمسك بوجودها العسكري في المناطق التي سيطرت عليها بحجة عدم تنفيذ الالتزامات الأمنية، وهذا سيعرض الوضع الاقتصادي للاهتزاز، لأن أي أزمة سياسية أو دستورية ستؤثر في ثقة المجتمع الدولي والمستثمرين، وقد تؤخر المساعدات وإعادة إعمار الجنوب، وإذا حاول أي طرف فرض وقائع ميدانية تتعارض مع مسار تنفيذ الاتفاق أو مع انتشار الجيش اللبناني، سينتج من ذلك خطر الاحتكاك الأمني الداخلي، وهذا سيعمق الانقسام بين من يعتبر أن الاتفاق يمثل استعادة لقرار الدولة، ومن يراه تنازلاً استراتيجياً يمس هوية لبنان ودوره الإقليمي، وهو انقسام قد ينعكس على الانتخابات المقبلة وعلى طبيعة التحالفات السياسية.
الدولة اللبنانية أمام تحد بنيوي
بهذا المعنى، تواجه الدولة تحدياً بنيوياً في توقيع الاتفاق نفسه، يمتحن قدرتها على إدارة الانقسام الذي سيولده، ومنع انتقال الخلاف من المستوى السياسي إلى مستوى تعطيل المؤسسات أو زعزعة الاستقرار الداخلي. وكشف محضر لمجلس الوزراء رقم 65، القرار رقم 2 لسنة 2026، أن المجلس أخذ علماً بالتفويض المعطى من قبل رئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، إلى الوفد المفاوض في واشنطن، وكلفه إجراء ما يلزم للتوصل إلى النتيجة المرجوة، وذلك تحت إشرافهما. غير أن الفقرة الأهم في القرار جاءت واضحة، عندما نصت على أن “أي اتفاق قد ينتج من هذه المفاوضات يخضع إبرامه لموافقة مجلس الوزراء بحسب المادة 52 من الدستور”، وهذا يعني أن “الاتفاق الإطاري” الذي توصل إليه، لن يكتسب أي مفعول دستوري بمجرد التوقيع عليه، لأن المادة 52 من الدستور أناطت برئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، صلاحية التفاوض وإبرام المعاهدات الدولية، لكنها اشترطت بصورة صريحة ألا تصبح أي معاهدة مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، كذلك فإن المادة نفسها، توجب إطلاع مجلس النواب على المعاهدات عندما تسمح مصلحة البلاد وسلامة الدولة بذلك، وتفرض موافقته على المعاهدات المتعلقة بمالية الدولة، والمعاهدات التجارية، وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، مما يضع “الاتفاق الإطاري” في قلب نقاش دستوري يتعلق بطبيعته القانونية، وبمدى خضوعه للإجراءات الدستورية المقررة للاتفاقات ذات الطابع السيادي أو الدولي.
بري: هذا الاتفاق لن ينفذ على أرض الواقع، ونتنياهو: “لن ننسحب”
وعليه، إن الاتفاق الموقع في الـ26 من يونيو (حزيران) الماضي بين الدولتين اللبنانية والإسرائيلية ربط الانسحاب الإسرائيلي عملياً بتفكيك بنية “حزب الله” جنوباً، وهذا ما دفع برئيس مجلس النواب نبيه بري إلى التحذير بأن الاتفاق قد يؤدي إلى محاولات لتقسيم اللبنانيين وإثارة انقسامات داخلية وجرهم إلى مواجهة في ما بينهم، وقال “يا أهلي في لبنان، كل لبنان، إنها الفتنة!”، مستشهداً بالقول المأثور، “كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهراً فيركب ولا ضرعاً فيحلب”، ومؤكداً في الوقت ذاته أن هذا الاتفاق لن ينفذ على أرض الواقع، واعتبر بري أن المفاوضات الإيرانية – الأميركية تمثل الفرصة الواقعية الوحيدة لضمان انسحاب إسرائيل من لبنان، مشيراً إلى أن أي محاولة لفصل المسار اللبناني عن المسار الأميركي – الإيراني الأوسع من شأنها أن تطيل أمد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب البلاد، ووصف بنود الاتفاق بأنها مجرد إملاءات، وهو الموقف الذي تماشى مع رفض “حزب الله” الاتفاق واعتباره استسلاماً.
في المقابل، وخلال زيارة أحيطت بسرية مشددة لأسباب أمنية، أكد رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال جولة في المنطقة الأمنية على الحدود اللبنانية، أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان ما دام التهديد قائماً.
وكان نتنياهو قد أصدر تعليمات للجيش الإسرائيلي، بتدمير البنية التحتية التابعة لـ”حزب الله”، سواء كانت فوق الأرض أو تحتها، بما في ذلك الأنفاق، وقال “هذه هي التعليمات، لا تتركوا شيئاً خلفكم، وأنتم تنفذون ذلك”، وأضاف أن على الجنود التحرك فوراً إذا رصدوا أي تهديد لحياتهم، مؤكداً أن الجيش لن ينسحب من المنطقة الحدودية قبل نزع سلاح “حزب الله” بالكامل، وعدم عودته ليمثل تهديداً لإسرائيل، ووصف نتنياهو “حزب الله” بأنه “أهم حلقة” في محور حلفاء إيران، وقال إن ما تبقى من ترسانة الحزب، التي كانت تضم نحو 150 ألف صاروخ وقذيفة، لا يتجاوز ثمانية في المئة.
ما خيارات “حزب الله”؟
تبعاً للمعطيات السابقة تصبح خيارات تطبيق بنود الاتفاق ضيقة جداً وخطرة، ولكن ماذا أمام “حزب الله” بعد ما يعتبره كثير من المراقبين “خسارة استراتيجية” التي لا يريد الاعتراف بها؟
بطبيعة الحال الخيار الواضح الأول للحزب هو الرفض، لكن هذا الرفض سيكون مكلفاً عليه وعلى لبنان، وتكمن المشكلة أن الاتفاق لم يعد نقاشاً إعلامياً، بل نقل المعركة من “حق المقاومة” إلى سؤال واحد، من يملك قرار السلاح على الأرض؟ وهنا يخسر الحزب جزءاً كبيراً من شرعيته وسرديته، لأن الدولة اللبنانية دخلت، ولو متأخرة، إلى موقع التفاوض الرسمي، بينما أصبح سلاح الحزب هو العقبة المعلنة أمام الانسحاب وإعادة الإعمار وعودة النازحين.
ويستطيع الحزب أن يهدد وأن يحرك الشارع وأن يقول إن الاتفاق باطل وأن يرفع سقف الخطاب وتحريك اعتراضات شعبية والضغط عبر “حركة أمل” وحلفائه والمطالبة بضمانات والطعن بشرعية أي خطوة لا تمر عبر المؤسسات ومحاولة فرض معادلة “الانسحاب أولاً ثم البحث بالسلاح”، وفي الوقت نفسه قد يحتفظ بخيار أمني محدود جداً، ورسائل ميدانية محسوبة لا تصل إلى حرب شاملة، بهدف القول إنه لا يزال موجوداً، لكنه لا يستطيع تغيير حقيقة أن إسرائيل ستستخدم سلاحه ذريعة للبقاء، وأن المجتمع الدولي سيستخدم السلاح ذريعة لربط المساعدات والإعمار بسلطة الجيش اللبناني، وهذا يعني أن كل رصاصة من الحزب ستقرأ اليوم كخدمة مجانية للرواية الإسرائيلية “نحن باقون لأن التهديد باقٍ”.
وكان الأمين العام للحزب نعيم قاسم قد أكد رفضه المطلق لنزع “سلاح المقاومة”، معتبراً أن “نزعه هو نزع لقدرة لبنان الدفاعية تمهيداً للإبادة”، وشدد على أن الحزب “لن يقبل” بأي خطوة في هذا الاتجاه لأن “السلطة اللبنانية تقول لنا، ساعدونا لنجردكم من السلاح، لتدخل إسرائيل بعدها وتقتلكم وتهجر شعبكم”.
ويتأتى الخطر الأكبر على الحزب ليس عبر الحرب وحسب، بل تحوله من قوة ردع إلى عبء داخلي، إذ إن الشيعة المهجرين يريدون العودة، ويريدون إعادة إعمار، والبيئة الحاضنة للحزب لم تعد تملك ترف انتظار سرديات كبرى، وإذا اختار الحزب التصعيد قد يخسر لبنانياً أكثر مما يخسر عسكرياً، وإذا اختار الصمت سيقر ضمنياً بأن ميزان القوى تغير، ومن هنا فإن الحزب خسر زمام المبادرة، وهو الآن يحاول منع تثبيت واقع جديد ليس من صياغته.
ما الذي يحاول “حزب الله” حله فعلاً؟
هنا يتوضح السؤال الأساس بالنسبة إلى الحزب، وهو ليس “هل يقبل الاتفاق؟” بل، “ما المشكلة الوجودية التي يحاول حلها؟”.
خياران أمام الحزب لا ثالث لهما
بني الحزب على ثلاث ركائز، “المقاومة” ضد إسرائيل، وحماية النفوذ الإيراني في لبنان، وامتلاك حق “الفيتو” داخل الدولة. وجاء “الاتفاق الإطاري” ليضرب الركائز الثلاث معاً، لأنه يحول ملف إسرائيل من يد الحزب إلى يد الدولة، ويربط الأمن بالجيش، ويجعل السلاح خارج الدولة مشكلة لا ضمانة، ولعل الحاجات الأساسية له الآن، هي المحافظة على البقاء، وحفظ ماء الوجه، ومنع استهداف بيئته، والإبقاء على قناة نفوذه داخل القرار اللبناني، لذلك لن يكون خياره العقلاني حرباً شاملة، لأن الحرب قد تعطي إسرائيل مبرراً لتوسيع الاحتلال والضربات، وأيضاً لن يكون خياره العقلاني الآخر تسليماً كاملاً للسلاح، لأن ذلك يهدم هويته ودوره، ولهذا سيكون خياره الأقرب هو محاولة تفكيك الاتفاق من الداخل، عبر تأخير التنفيذ، والتشكيك بشرعية المفاوضات، والضغط عبر مجلس النواب والحكومة، والمطالبة بربط أي خطوة بانسحاب إسرائيلي كامل ومسبق. ومع هذا تبقى هذه المناورة ضمن سقف معين، فإذا نجحت الدولة في تثبيت الجيش في مناطق تجريبية وإذا ارتبطت إعادة الإعمار بالاستقرار يصبح الحزب أمام معادلة جديدة، إما أن يتحول إلى قوة سياسية لبنانية أو يبقى قوة عسكرية تحمل مسؤولية استمرار الاحتلال، بكلام آخر لا يبحث “حزب الله” الآن عن تحرير الأرض، بل يبحث عن طريقة كي لا يتحول تحرير الأرض إلى نهاية وظيفته.
ما فرص الحزب للنجاة؟
قد يبدو الأمر كله كهزيمة، لكنها قد تكون فرصة نادرة لـ”حزب الله” إذا قرأ اللحظة بذكاء، يستطيع أن يقول لجمهوره “المقاومة أنجزت وظيفتها التاريخية، والآن جاء دور الدولة لتتسلم”، هذا التحول، لو حدث، قد ينقذه من مصير أسوأ أي حرب مفتوحة، وإنهاك لبيئته، وعزلة دولية، وربما صدام داخلي، وعليه يصبح الخيار الكبير أمام الحزب ليس إسقاط الاتفاق، بل إعادة تعريف نفسه، بحيث يمكنه أن ينتقل من حزب مسلح فوق الدولة إلى حزب سياسي قوي داخل الدولة، يحمي مصالح بيئته عبر البرلمان والحكومة والنقابات والبلديات، لا عبر الصواريخ والأنفاق، وهذا لا يعني استسلاماً، بل انتقالاً من منطق السلاح يحمي السياسة، إلى منطق عبر السياسة تحمى الناس، ذلك أن فرصته الأهم هو أن يفاوض على الثمن الداخلي، ضمانات للبيئة الشيعية، وإعادة إعمار الجنوب، وعودة النازحين، ودمج مقاتلين ضمن أطر أمنية أو مدنية، وجدول زمني متدرج لا يظهره مهزوماً، وإذا فعل ذلك يمكنه أن يقول إنه منع الفتنة وحمى الجنوب وفرض على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها.
زمن السلاح المفتوح انتهى
ولعل تحول الحزب يتطلب شجاعة فكرية لا عسكرية، فالشجاعة اليوم ليست في إطلاق النار، بل في الاعتراف بأن زمن السلاح المفتوح انتهى، وإذا اختار الحزب التحول قد يخسر جزءاً من هالته، لكنه سيحافظ على وجوده، أما إذا اختار المكابرة فقد يخسر الاثنين، الهالة والوجود.
ومن خارج كل التعقيدات اللبنانية المشهد يبدو واضحاً جداً، هناك دولة وقعت اتفاقاً أمنياً، وهناك تنظيم مسلح داخل هذه الدولة يرفض الاتفاق، وأي مراقب خارجي لن يدخل في تاريخ الحرب الأهلية، ولا في سردية “المقاومة”، ولا في توازنات الطوائف، سيرى فقط أن لبنان يريد أن يتصرف كدولة، لكنه لا يملك قرار الحرب والسلم كاملاً، لهذا تبدو خيارات “حزب الله”، من الخارج محصورة بثلاثة، إما أن يقبل بسلطة الدولة أو يعطلها أو يجرها إلى حرب. ويجعله الخيار الأول حزباً لبنانياً طبيعياً، أما الخيار الثاني فيجعله قوة ابتزاز داخلي، والخيار الثالث يجعله سبباً مباشراً لاستمرار الكارثة، لذا فإن العالم لا يفهم كثيراً عبارة “السلاح لحماية لبنان” إذا كان هذا السلاح يمنع الانسحاب، ويعطل الإعمار، ويبقي مئات الآلاف تحت النزوح أو الخوف، بخاصة بعد التقارير التي تحدثت عن عودة قسم من النازحين، وبقاء أعداد كبيرة خارج بيوتهم، وحاجة ضخمة إلى إعادة الإعمار، وهذا يجعل أي خطاب عسكري أقل إقناعاً أمام الناس، وتصبح الأسئلة هنا، إذا كان الجيش اللبناني هو الجهة التي ستتسلم الأرض، فلماذا يعترض حزب لبناني على ذلك؟ وإذا كان الحزب يقول إنه يحمي السيادة، فلماذا لا يسلم السيادة لمن يفترض أنه يمثلها؟ ولهذا قد يختصر التعقيد اللبناني كله بجملة واحدة، لا يمكن لدولة أن توقع اتفاق سلام بينما قرار الحرب بيد طرف آخر.
التنفيذ العملي الأخطر سيكون في الجنوب
ولعل تنفيذ الاتفاق سيتطلب مراقبة فهل يسمح للجيش اللبناني بالانتشار الحقيقي؟ وهل ينسحب الحزب من المناطق التجريبية؟ أم أنه سيخفي بنيته العسكرية بدل تفكيكها؟ وهنا الاختبار الحقيقي أمامه، لأن الاتفاق ليس بياناً سياسياً وحسب، بل مسار تحقق ميداني، من الأرض والسلاح والأنفاق والقيادة والسيطرة ووجود وانتشار الجيش اللبناني، لهذا سيقوم الحزب بأول خطوة عملية وهي محاولة تحويل النقاش من “نزع السلاح” إلى “الضمانات الوطنية”، لكنه إذا فشل في ذلك، سيجد نفسه أمام معادلة قاسية، إما انسحاب منظم من المشهد العسكري جنوباً، أو تحمل مسؤولية إبقاء إسرائيل في لبنان. وليس سراً أن “حزب الله” لم يعد يملك حرية الحركة السابقة، فالاتفاق نقل الملف من معادلة “مقاومة ضد إسرائيل” إلى معادلة “دولة وجيش وسلاح غير شرعي”، كذلك فإن توجهه نحو الحرب الشاملة ليس الخيار الأفضل له، لأنه سيمنح إسرائيل ذريعة للبقاء والتوسع، أضف إلى أن بيئته الحاضنة وخسارة الجنوب والنازحين والإعمار أصبحت جميعها عناصر ضغط، لا مجرد أوراق بيده.
في المحصلة، قد يبالغ الجميع في تقدير قدرة “حزب الله” على اتخاذ قرار مستقل عن إيران، وقد يقللون من احتمال أن تستخدم إسرائيل الاتفاق لا لإنهاء الاحتلال سريعاً، بل لإدارة بقاء أمني طويل، كذلك قد لا تكون الدولة اللبنانية قادرة فعلاً على تنفيذ ما وقعت عليه إذا لم تملك قراراً سياسياً وأمنياً موحداً، ولهذا سيكون الخيار الأرجح للحزب هو رفض الاتفاق علناً، وتعطيله سياسياً، والقبول الجزئي بالأمر الواقع ميدانياً، حيث يفرضه الجيش والضغط الدولي، وتجنب حرب شاملة، لكنه لن يسلم سلاحه طوعاً الآن، بل سيحاول منع تحويل السلاح إلى بند تنفيذي مباشر وسريع.
