عروبة الإخباري –
هناك أعمال تمرّ مرور العابرين…
وهناك أعمال تدخل المشهد الثقافي كما تدخل العاصفة إلى بحرٍ راكد، لا لتُغرق السفن، بل لتوقظها من سباتها.
وهناك مبدعون يكتبون أعمالهم بالحبر، وآخرون يكتبونها باللون، وقليلون هم أولئك الذين يكتبونها بالضمير.
الدكتورة رويدا مصطفى الرافعي، تنتمي إلى هذه الفئة الأخيرة.
منذ سنوات، وهي تشق طريقها بثبات، لا تُغريها الضوضاء، ولا تستدرجها الموجات العابرة، لأنها تدرك أن الإبداع الحقيقي لا يعيش على التصفيق، بل على الأثر. وأن الفنان الذي يلهث خلف الضوء سرعان ما يخفت، أما الذي يصنع الضوء، فإنه يبقى حتى بعد انطفاء المسرح.
ولذلك، لم يكن ظهورها الأخير تحت شعار «دعوها تحلّق بسلام حدثًا فنيًا عاديًا، بل بدا وكأنه إعلان جديد عن فهم مختلف لوظيفة الفن، ولدور الثقافة، ولعلاقة الجمال بالحرية.
في طرابلس
المدينة التي لا تزال تقاوم الصورة النمطية، وتصرّ في كل مناسبة على تقديم وجهها الثقافي والحضاري، اجتمع الحضور الرسمي والثقافي والفني والشعبي في مشهد تجاوز حدود الاحتفال التقليدي.
لم يكن الناس أمام لوحة تُعلّق على جدار، ولا أمام كتاب يُوقّع ثم يُوضع على رفوف المكتبات، ولا أمام أمسية تُطوى بانتهاء التصفيق.
كانوا أمام فكرة.
وأمام موقف.
وأمام رسالة اختارت أن تتحدث بلغة الفن، لأن الفن حين يكون صادقًا يصل إلى القلوب أسرع من آلاف الخطب.
“دعوها تحلّق بسلام”
أي عنوان هذا؟
وأي جرأة تختبئ خلف هذه الكلمات القليلة؟
إنها ليست دعوة عابرة، وليست عبارة تصلح للتداول على منصات التواصل الاجتماعي ثم تنطفئ بعد ساعات.
إنها فلسفة كاملة.
صرخة هادئة، لكنها نافذة.
اعتراض راقٍ، لكنه عميق.
إيمان بأن الإنسان لا يولد ليعيش داخل الأقفاص، وأن المرأة ليست ظلًا لأحد، بل شريكًا كاملًا في صناعة الحياة والثقافة والجمال.
ولعل قوة هذا العمل تكمن في أنه لم يحتج إلى الصراخ.
فالرسائل الكبرى لا تصرخ.
إنها تهمس…
لكن همسها يبقى أعلى من الضجيج.
من يعرف رويدا الرافعي يدرك أن هذا العمل لم يأتِ من فراغ.
فهي لم تدخل المشهد الثقافي صدفة، ولم تصنع اسمها في موسم واحد.
على امتداد تجربتها، قدّمت مؤلفات حملت رؤيتها الفكرية، وأعمالًا فنية عكست حسًا بصريًا خاصًا، فكان حضورها قائمًا على مشروع ثقافي متواصل، لا على ظهور عابر.
غير أن «دعوها تحلّق بسلام» تكشف جانبًا آخر من هذه الرحلة؛ جانبًا يذهب إلى ما هو أبعد من التعبير الفني، ليطرح أسئلة عن الحرية، والكرامة، ودور الفن في ملامسة قضايا الإنسان.
وهنا تكمن قيمة التجربة.
فالفنان الحقيقي لا يقف عند حدود الإتقان.
بل يسأل.
ويقلق.
ويحرّض على التفكير.
ويترك للجمهور مساحةً واسعة للتأويل.
كم أصبح عالمنا بحاجة إلى هذا النوع من الإبداع…
إبداع لا يختبئ خلف الغموض المصطنع.
ولا يتاجر بالشعارات.
ولا يراهن على الإثارة السريعة.
بل يضع الإنسان في قلب العمل، ويجعل الجمال وسيلة لفتح باب الحوار، لا غايةً مكتفية بنفسها.
لقد أرهقتنا الأعمال التي تُنتج للاستهلاك السريع.
وأتعبتنا الفنون التي تلمع للحظة، ثم تختفي لأنها لم تترك أثرًا.
أما الأعمال التي تحمل فكرة، فإنها لا تنتهي بانتهاء المناسبة، بل تبدأ بعدها.
تعيش في الذاكرة.
وتكبر كلما أعيد تأملها.
وربما لهذا السبب تحديدًا، بدا المشهد في طرابلس مختلفًا.
فالحضور لم يكن مجرد جمهور يتابع عرضًا.
كان شاهدًا على ولادة خطاب ثقافي جديد، يضع الفن في مكانه الطبيعي؛ مساحةً للتعبير، ومنبرًا للأسئلة، وجسرًا بين الجمال والقيم.
ولعل أجمل ما في التجربة أنها لم تفصل بين الإبداع والمسؤولية.
فكثيرون يجيدون الرسم.
وكثيرون يجيدون الكتابة.
لكن قليلين من يستطيعون أن يحوّلوا أعمالهم إلى مساحة يلتقي فيها الفكر بالإحساس، واللون بالكلمة، والحرية بالجمال.
ليست كل المفاجآت تُصنع بالضجيج.
بعضها يولد بصمت…
ثم يكبر حتى يصبح حديث الناس.
وهذا ما فعلته رويدا الرافعي.
فقد اختارت الطريق الأصعب.
طريق الفكرة.
وطريق الرسالة.
وطريق الفن الذي يغامر بأن يكون مختلفًا.
والمغامرة في الثقافة ليست مخاطرة بالخسارة.
بل هي الطريق الوحيد إلى البقاء.
إن «دعوها تحلّق بسلام» ليست نهاية رحلة، بل تبدو محطة جديدة في مسار مبدعة لا تزال تبحث عن آفاق أخرى للتعبير. فالإبداع الحقيقي لا يعرف الاكتفاء، ولا يرضى بتكرار ذاته، بل يواصل طرح الأسئلة وابتكار الصيغ التي تفتح نوافذ جديدة للحوار والتأمل.
وفي زمنٍ تتشابه فيه الأصوات، يبقى الصوت المختلف أكثر قدرة على البقاء.
لأن التاريخ لا يتذكر من سار مع القافلة…
بل يتذكر من امتلك الشجاعة ليشق لها طريقًا جديدًا.
وهكذا، تثبت رويدا الرافعي مرة أخرى أن الفن، حين يلتقي بالفكرة، لا يعود مجرد عمل يُشاهَد، بل يصبح تجربة تُعاش، ورسالة تُناقَش، وأثرًا يبقى في الذاكرة طويلًا بعد أن ينتهي التصفيق، وتُطفأ الأضواء، ويغادر الجميع القاعة.
ويبقى التحليق…
هو الحكاية كلها.
