إنّ الفكرة التي ندعو إليها اليوم ليست جديدة، بل لها جذور واضحة فيما طرحه الأستاذ عاهد جمعة في كتابه “الرؤية اللبنانية الفلسطينية” الصادر عام 2005. فقد أشار بوضوح إلى أنّ تأسيس لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني بقرار سيادي لبناني كان خطوة مهمة لتنظيم العلاقة مع الوجود الفلسطيني في لبنان، لكنه شدّد على أنّ هذه اللجنة في جوهرها لبنانية صِرف، لا تضم أيّ تمثيل فلسطيني ضمن بنيتها أو إطارها القانوني. وقد أوضح أنّ اقتران اسمها بعبارة “الفلسطيني” لا يعني شراكة تنظيمية، بل يعكس نطاق اختصاصها الوظيفي المتعلق بملفات اللاجئين الفلسطينيين، وأنّ انعقادها دون مشاركة فلسطينية أمر منسجم مع طبيعتها القانونية والمؤسساتية.
منذ ذلك الحين، شكّلت اللجنة إطاراً رسمياً لإدارة الملفات المرتبطة بالوجود الفلسطيني في لبنان، لكنها بقيت هيئة تتبع لرئاسة مجلس الوزراء اللبناني وتضم شخصيات وممثلين عن مؤسسات لبنانية فقط. هذا الواقع جعل دورها يقتصر على إدارة القضايا الفلسطينية من منظور الدولة اللبنانية، مع إمكانية عقد لقاءات مع الجهات الفلسطينية عند الحاجة، لكن دون أن يكون للفلسطينيين إطار مؤسساتي موازٍ يواكب هذا المسار. وهنا يكمن الخلل البنيوي الذي يجعل الجانب الفلسطيني في موقع المتلقّي أكثر من كونه شريكاً مؤسسياً، ويجعل الموقف الفلسطيني محكوماً باللحظة لا بالاستراتيجي.
وعليه، جاءت الدعوة التي طرحها الأستاذ عاهد جمعة منذ ذلك الحين بضرورة تشكيل لجنة حوار فلسطينية تقابل اللجنة اللبنانية، بحيث تكون لجنة مؤسساتية متخصّصة تمتلك ملفاتها ورؤيتها وآليات عملها بصورة موازية. وبعد مرور أكثر من عقدين على تأسيس اللجنة اللبنانية، بات هذا الواقع يفرض على القيادة الفلسطينية مسؤولية تاريخية بضرورة إنشاء اللجنة المقترحة برؤية واضحة، تعمل بآليات منظمة وتكون قادرة على بناء تراكم مؤسساتي يضمن للفلسطينيين حضوراً رسمياً في إدارة ملفاتهم. إنّ تشكيل لجنة فلسطينية رسمية سيمنح الجانب الفلسطيني القدرة على صياغة رؤيته القانونية والحقوقية المستندة إلى المعرفة والخبرة، ومتابعة الملفات المتعلقة باللاجئين وفق أسس علمية ومؤسساتية. كما سيعزّز الموقف الفلسطيني في أيّ نقاش أو تفاوض، ويمنع تهميشه أو اختزاله بلقاءات غير رسمية. وجود هذه اللجنة سيحوّل العلاقة من مجرد لقاءات متفرقة إلى إطار ثابت ومستمر، ويعزّز المهنية بالتعامل مع الملفات الحساسة المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين في لبنان بطرق مدروسة، ويوفّر مرجعية فلسطينية قادرة على إدارة الحوار ومتابعة القضايا الوطنية والاجتماعية والحقوقية بكفاءة واستمرارية، إضافة إلى خلق توازن مؤسساتي بين الطرفين بحيث يكون للفلسطينيين صوت رسمي مقابل اللجنة اللبنانية.
لا شك أنّ إنشاء لجنة فلسطينية موازية يواجه عقبات موضوعية، أبرزها الحاجة إلى تجاوز الانقسامات الداخلية الفلسطينية لضمان وحدة الموقف، إضافة إلى ضرورة إيجاد صيغة قانونية وسياسية تقبل بها الدولة اللبنانية وتنسجم مع مؤسساتها الرسمية. كما أنّ مسألة التمويل وضمان الاستمرارية تشكّل تحدّياً أساسياً، خاصة في ظل الضغوط الإقليمية والدولية التي قد تؤثر على عمل اللجنة. هذه التحدّيات لا تقلّل من أهمية الفكرة، لكنها تستدعي خطة مدروسة وآليات واضحة لتذليلها.
هذه الخطوة هي حاجة وطنية ملحة لضمان حقوق اللاجئين وتعزيز الشراكة مع الدولة اللبنانية على أسس متوازنة وعادلة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار المؤسسي الذي يليق بالقضية الفلسطينية ويصون مصالح شعبنا في لبنان.
