تُشير المعطيات إلى ملامح تسوية دولية بين واشنطن وطهران، ترتكز على معادلة: “إضبط إيران وأمّن إسرائيل وفي الأخير تأتي مصلحة لبنان”. هذا المسار يكشف عن تحولات في إدارة الصراع الإقليمي، حيث تراجعت حسابات المصلحة اللبنانية لصالح التفاهمات الكبرى بين القوى الدولية.
وبناءً على قراءة المشهد، يمكن رصد 3 تحولات صاغت الواقع الجديد:
أولاً: ربط أمن إيران بأمن إسرائيل من جنوب لبنان.
ربطت طهران أمنها الإستراتيجي بأمن إسرائيل، محوّلةّ ملف الجنوب اللبناني إلى ورقة تفاوضية مع واشنطن. وبناءً عليه، صار إستقرار الجبهة الشمالية لإسرائيل مرتبط بملف التفاوض حول “النووي”، و”البالستي” و”الأذرع“، و”رفع العقوبات”. وهنا المعادلة واضحة: التزام إيراني بضبط “حزب الله” يقابله التزام أميركي بضبط إسرائيل ورفع الضغوط عن طهران.
ثانياً: لبنان من “شريك مفاوض” في واشنطن إلى “ساحة تفاوض” بعد “الصفقة الأميركية-الإيرانية”.
إنتقل لبنان رسمياً من موقع الشريك المفاوض والمساهم في صياغة التفاهمات الدولية، إلى مجرد “ساحة تفاوض” تُعرض مصالحه فيها وتُتخذ القرارات المصيرية بغيابه. لقد تحول لبنان إلى ورقة تضمنها إيران، في حين تحولت إسرائيل إلى قوة مضمونة أميركياً. بناءً على ذلك، لم تعد الضمانات الإستراتيجية “ذاتية”، بل أصبحت “خارجية بإمتياز”؛ حيث تضمن إيران سلوك “حز.ب ال له”، وتضمن الولايات المتحدة سلوك إسرائيل.
وفي هذا السياق، تثبت واشنطن رؤيتها البعيدة المدى تجاه المنطقة، بحيث يبدو أنها لن تتنازل عن إمساكها بالملف اللبناني وإدارته كأولوية، ولن تفرّط في أوراق القوة التي تمتلكها فيه إلى حين الوصول للغاية المنشودة بإرساء السلام التاريخي والشامل مع إسرائيل والذي يضمن إستقرار المنطقة نهائياً سواء في النصف الاول من ولاية ترامب او في نصفها الثاني بعد إنجاز الإنتخابات النصفية في نوفمير والإنتخابات الإسرائيلية في أكتوبر.
ثالثاً: غياب المصلحة اللبنانية ودفع الثمن
يستمر لبنان في دفع أثمان التسويات الدولية على حساب مصلحته، التي باتت مغيبة ما لم يتغير ميزان القوى الداخلي. إن الحضور اللبناني الرسمي الرمادي الوسطي الموقف يلخص عمق الأزمة السياسية. إذ تبدو الدولة في موقف العاجز. إذا أيدت إيران تنقسم وإذا عارضت إسرائيل ننقسم. فاختارت ان تقف الموقف الوسطي التالي:
لا هي مع إسرائيل ولا ضدها.
لا هي مع إيران ولا ضدها.
ولا هي مع الولايات المتحدة ولا ضدها.
وهكذا يظهر المشهد بصورة اوضح: لبنان وإسرائيل يتم التفاوض “عنهما” لا “معهما”. لبنان ومن خلقه حزب الله ورقة تضممها إيران وإسرائيل قوة تضمنها واشنطن مع حقها في حفظ أمنها القومي. ويتم إنضاج مصير لبنان في أروقة طهران وواشنطن وليس في قصر بعبدا، ليتحول دور الدولة اللبنانية من الشريك بالقرار إلى مجرد كوريدور للتسوية ومتلقي يتبلغ بها لتنفيذها.
الدور الإقليمي الموازن: الجناحان السعودي والقطري
في ظل هذا الإنسداد الداخلي، برز دور إقليمي يتحرك عبر جناحين ديبلوماسيين:
1-الجناح القطري: يعمل كصلة وصل بين طهران وواشنطن، مستنداً إلى ديبلوماسية مرنة لنقل الرسائل وتقريب وجهات النظر بين الطرفين.
2-الجناح السعودي: ينطلق من إستراتيجية تنشد ضبط النفوذ الإيراني في الخليج عبر “تسوية شاملة لا الحرب”، ويسعى لتمرير حلول سياسية في لبنان، مقرونة بتقديم الدعم السياسي والمالي المستدام.
وهكذا تتبلور نتيجة التسوية ضمن توازن إقليمي مفاده : لبنان لإيران “المحور الشيعي”، وسوريا لتركيا ومن ورائها الخليج “المحور السني”.
شروط الطاولة الثلاثية
تفرض إسرائيل على طاولة المفاوضات الأميركية الإيرانية كما على طاولة بيروت تل أبيب واشنطن، 3 بنود كشرط لأي إستقرار بين البلدين:
1- إنسحاب الحرس الثوري الإيراني وقوات الرضوان من البلدات الحدودية.
2- إنتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني.
3- منع أي بنية عسكرية تسليحية لحزب الله في تلك المنطقة.
يحضر ملف لبنان بقوة في الصفقة الأميركية-الإيرانية، لكن الدولة اللبنانية ليست هي من يمسك القلم ويكتب الشروط، بل هناك من يكتب بالنيابة عنها بحبر تتقاسم صياغته كل من واشنطن وطهران.
15
