هل تعرضت يوماً للابتزاز؟ ربما تكون الإجابة لدى كثيرين نعم؛ منهم من وقع في «الفخ» ومنهم من نجا منه، في بلدنا، للأسف، ازدهرت أسواق الابتزاز بكافة أنواعه (السياسي والعاطفي والإلكتروني.. الخ)، الوصفة جاهزة للطرفين: بقدر ما تتخلى عن أخلاقك، وتترك لضميرك أن يبقى نائماً، تكسب أكثر، في المقابل بقدر ما تتحصن بالشجاعة، وتحافظ على نظافتك واستقامتك، تستطيع أن ترفض الابتزاز وتواجه دسائسه، وتهزم «أبطاله» على الحلبة بالضربة القاضية.
بحكم مهنة الصحافة التي أتشرف بالانتساب إليها، عاينت وشهدت وسمعت عن الكثير من قصص الابتزاز، أسوأ ما يؤلمني أن يكون المتهمون فيها من الصحفيين، لا سيما من الشباب الذين بدأوا خطواتهم الأولى في المهنة، هؤلاء في الغالب تعثرت أقدامهم بأصحاب «الكار» فتعلموا منهم ألاعيب الابتزاز، في وقت ما اجتهدت في محاولة إنقاذ بعض المغرر بهم، بدأت بمساعدة عدد من الأصدقاء إعطاء دورات في «أخلاقيات مهنة الصحافة «، لم تستمر التجربة طويلاً، فقد أجهضها، للأسف، مسؤولون لم ترق لهم الفكرة، الآن نقابة الصحفيين تمارس دورها في هذا المجال بما لديها من امكانيات.
أكيد، لدينا صحافة نظيفة، وصحفيون وكتاب مهنيون وشرفاء، لكن لدينا -كما باقي المهن- أصناف أخرى ودخلاء أيضاً، ربما يكونون على عدد أصابع اليد أو اكثر، لكنهم موجودون ومؤثرون، والأسوأ أنهم يتركون انطباعاً عاماً بأن الصحافة مهنة ابتزاز، وهي بريئة من ذلك تماماً، بعض المسؤولين للأسف يخضع للمساومة ويقع في مصائدهم بدافع ضعفه أو للتغطية على أخطائه أحيانا، وبدافع الخوف من التشويه والافتراء أحيانا أخرى.
مهمة الصحافة أن تراقب وتنتقد الأداء العام لأي مسؤول، وتتحدث بالنيابة عن ضمير المجتمع فيما يتعلق بقضاياه وهمومه، الصحافة يُفترض أن لا تخاف ولا تضع نفسها بين فكّي كماشة ما يطلبه القراء (المستمعون) وما يطلبه المسؤولون، لكن هذا كله يجب أن يتم في سياق أخلاقيات المهنة، أما حين يتحول النقد إلى مركب للابتزاز، ووسيلة للمقايضة، وعصا غليظة لانتزاع المكاسب بالقوة، عندها يفقد الصحفي حقه المهني بالنقد، وسمعته ومصداقيته، كما يفقد احترامه لدى الذين ينتقدهم، وجمهور المتابعين أيضاً.
لكي نطوي صفحة الابتزاز في نسختيه الصحفية والسياسية (دعك من المجالات الأخرى: وما أكثرها) أو نحاصرهما على الأقل، لا يكفي أن نقول لمن يتجرأ على ذلك: توقف واحترم مهنيتك ومسؤوليتك، وإنما لا بد أن نقول للطرف الآخر: كن شجاعاً واعلن رفضك دون خوف أو تردد، الابتزاز يحتاج إلى طرفين شريكين فيه، ويتحملان مسؤوليته بالتضامن، الابتزاز وجه آخر للفساد، يعيشان ويزدهران معاً بالتوافق، او يسقطان بالضربة القاضية من يد نظيفة عنيدة تمتلك جرأة القرار وتقول: لا أساوم، بعدها لا يهم إن تحملت قسوة التشويه والافتراء، أو احتكمت للقضاء.
