في زمنٍ تتسابق فيه الشاشات والمنصات على الإثارة الرخيصة، والضجيج الفارغ، وتحويل أي اختلاف إلى معركة شعبوية هدفها رفع نسب المشاهدة، خرجت الإعلامية منى خوري، بصورة مختلفة تمامًا، لتثبت أن الإعلام الحقيقي لا يحتاج إلى صراخ كي ينجح، ولا إلى استفزاز كي يصنع التأثير، بل يحتاج إلى حضور، وثقافة، وذكاء، وشخصية تعرف تمامًا كيف تدير أصعب الحوارات وأكثرها حساسية.
الحلقة التي جمعت غسان الرحباني وسط هذا الجدل الفني الكبير، لم تكن حلقة عادية أبدًا. كانت مساحة مشحونة بالتاريخ، بالإرث، بالمواقف، وبشخصية استثنائية معروفة بصراحتها وحدّتها وعمقها الفكري والفني. وأمام هذا المشهد، أثبتت منى خوري أنها إعلامية من الطراز الرفيع، تمتلك قدرة نادرة على الإمساك بإيقاع الحوار مهما ارتفع التوتر، ومهما اشتدت “شدّة الحبال” بين الآراء والانفعالات.
منى لم تدخل الحلقة كمجرد مقدّمة تسأل وتنتظر الأجوبة، بل دخلت بعقل الإعلامية الواعية التي تعرف متى تتدخل، ومتى تصمت، ومتى تمنح المساحة الكاملة للضيف، ومتى تعيد النقاش إلى مساره الطبيعي بهدوء وثقة وأناقة. وهذا النوع من الإدارة لا يُدرّس فقط، بل يحتاج إلى شخصية قوية وثقافة حقيقية وخبرة تجعل الضيف مهما كان حجمه يشعر أنه أمام إعلامية تعرف تمامًا ماذا تفعل.
وفي المقابل، جاءت مقالة الإعلامية المتألقة باولا خباز لتشكّل حالة إعلامية راقية بحد ذاتها، لأنها لم تكتب بعقلية “الترند”، ولم تنجرّ خلف لغة الاصطفاف والانحياز الأعمى، بل كتبت بمهنية الكبار، وبوعي المثقف الذي يرى الصورة كاملة لا جزءًا منها.
باولا خباز قدّمت درسًا فعليًا في الكتابة الإعلامية الراقية. استطاعت أن تتناول قضية شائكة جدًا تمسّ أسماء بحجم غسان الرحباني وغي مانوكيان، من دون أن تسقط في الإساءة أو التهويل أو الاستثمار الرخيص بالخلاف. كتبت بنَفَس هادئ وعميق، فأنصفت القانون، واحترمت الفن، ووازنت بين الحقائق والواقع الفني والإنساني بطريقة تحسب لها بكل معنى الكلمة.
تميّز باولا كان في هذه الجرأة الراقية التي تجمع بين الصراحة والاحترام. فقد وضعت النقاط القانونية في مكانها الصحيح حين أكدت أن غسان الرحباني يستند إلى حق فكري وفني مشروع، وفي الوقت نفسه امتلكت الشجاعة والموضوعية للاعتراف بأن غي مانوكيان صنع أيضًا تجربة ناجحة وحضورًا عالميًا وهوية موسيقية خاصة به، بعيدًا عن أي محاولة لإلغاء أو التقليل من قيمة الآخر.
وهنا تكمن قوة المقال الحقيقي: أن تنصف الجميع من دون أن تخسر الحقيقة، وأن تكتب بعقل لا بعصبية، وبثقافة لا بتحريض.
أما غسان الرحباني، فهو حالة فنية استثنائية لا تشبه أحدًا. فنان حمل إرثًا رحبانيًا ثقيلًا جدًا، وكان بإمكانه أن يختبئ خلف الاسم الكبير، لكنه اختار طريقًا صعبًا مليئًا بالمغامرة والتجريب والاختلاف. من الروك إلى المسرح السياسي إلى الموسيقى التصويرية والأعمال الجريئة، صنع لنفسه مدرسة خاصة عنوانها الجرأة والعمق والخروج عن المألوف.
وفي الجهة الأخرى، لا يمكن إنكار أن غي مانوكيان استطاع أن يخلق حالة جماهيرية واسعة، وأن يقدّم الموسيقى الشرقية بأسلوب عصري جذب جمهورًا كبيرًا في لبنان والعالم، وأن يحوّل حضوره الفني إلى علامة معروفة على المسارح الدولية.
لكن الأجمل في كل ما حدث، أن هناك إعلاميتين استطاعتا أن ترتفعا فوق الانقسام:
منى خوري في الشاشة… بإدارة حوار تُدرّس في الاحتراف والهدوء والذكاء،
وباولا خباز في المقال… بكتابة تحمل رقيًا فكريًا ومهنيًا نادرًا في هذا الزمن.
كل التحية لمنى خوري…
الإعلامية التي أثبتت أن الهدوء قوة، وأن الثقافة هيبة، وأن إدارة الحوارات الصعبة فن لا يجيده إلا الكبار.
وكل التحية لباولا خباز…
التي أكدت أن الكلمة عندما تُكتب بضمير وثقافة تتحول إلى موقف، وإلى قيمة، وإلى احترام يفرض نفسه على الجميع.
هذا ليس مجرد إعلام… هذا مستوى يُحترم.
