أجهزة أمن جميع الدول، لا تترك معارضي بلدانها بلا رقابة وبلا ضبط، فالاجهزة الأمنية تمتلك قدرات متابعة فنية وتجربة عميقة، وتراثاً عريقاً من أدوات الاحتواء وتحويل المعارض الألعبان الفاجر الصعب، إلى رقّاص متلون عذب !!
و«التنفيس» علم ومؤسسة احترافية وفن متكامل الأركان، حتى ان أجهزة التنفيس المحترفة، تطلق الإشاعات والنكات والتعليقات ضد نظامها من أجل امتصاص الاحتقانات المجتمعية !!
ولا يمكن ان تعمل «معارضة الخارج» دون أخذ الموافقة من أجهزة الدولة الأمنية التي تعمل على أرضها !!
تحتاج المعارضة بالتأكيد إلى نفقات، لأن معظم المعارضين ليسوا أثرياء. كما ان الأثرياء منهم، لا ينفقون من حر أموالهم على قضايا عامة.
وهكذا تضطر المعارضة إلى «التنسيق» مع الأجهزة الأجنبية، وتصبح برغيا في ماكينة إعلامها السرية القبيحة السوداء.
سياسيا، الصوت العالي، والفغير والقاموس الهابط لا يؤسس موقفاً قابلاً للنمو، ولا يؤثث خطاباً وطنياً يجتمع الناس عليه. كنا نعتبر الأعلى صوتاً والأكثر حدة في بياناته وخطاباته وهتافاته، مدعاة شبهة !!
أمّا السباب والشتم والفغير والزعيق والحط من قدر الوطن، والتنمر على مؤسساته، إذا لم يكن عملاً تخريبياً، فإنه سيكون تشويشاً وتشويهاً، ولن يكون أبداً عملاً سياسياً مثمراً وازناً.
المعارضة الوطنية نسقٌ وبرنامجٌ وجهدٌ ونضالُ طلائع جماعي تراكمي شاقٌ طويلُ الأجل، يجيدها أولو العزم، ذوو التكوين الديمقراطي، والقدرة على مشاق العمل الجماعي وأكلافه وقيوده.
وسوى ذلك من معارضة أفراد، هي معارضة بيانات ورقية وعظية أستاذية موقوتة، تغري صاحبها وتستدرجه إلى فخ الاستعراض الذي يستطيبه و»يسخسخ» عليه !!
حضر الأستاذ شفيق الكمالي رئيس اتحاد الكتاب العرب، واضع النشيد الوطني العراقي «أرض الفراتين»، انتخابات رابطة الكتاب الأردنيين في أواخر السبعينات، وبعد انتهاء عملية الفرز وفوزنا برئاسة الدكتور محمود السمرة، دعونا ضيفنا إلى عشاء في مطعم البستان، وهناك قال الرجل: لم أرَ أذكى منكم. لقد أفرزتم واحداً منكم، ليلعب دور المعارضة في اجتماع الهيئة العامة.
قلنا: المعارض الأهوج الذي تقصده ليس معنا، ومن حظنا انه على تلك الدرجة من الفعفطة والنطنطة.
