كشفت صور وفيديوهات حفل العشاء السنوي لرابطة الصحافة في البيت الأبيض في واشنطن مساء السبت، كشفت مشاهد على هامش الحدث الرئيسي الذي انتهى بإلقاء القبض على المتهم بمحاولة الاغتيال الثالثة الفاشلة التي يتعرض لها ترمب، منذ بدء ولايته الثانية.
صور وفيديوهات فتحت شهية الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي أمريكيا وعالميا، تتعلق بالجانب الآخر من الصورة أو المشهد والذي قد لا تسلط عليه الأضواء أحيانا في مهن كثيرة، من بينها «مهنة البحث عن المتاعب»، الصحافة، تلك المسماة «السلطة الرابعة»!
دون ذكر الأسماء أو الجهات التي تمثلها الشخوص التي ظهرت في مشهد ليلة الأحد، رصدت كاميرات المراقبة الداخلية في هيلتون واشنطن، وعدسات الهواتف الجوالة لبعض الحضور، مواصلة أحدهم وقد بدا عليه الثبات الانفعالي على نحو لافت، مواصلته تناول وجبة العشاء، رغم ما جرى من حوله، فيما حرصت مدعوة أخرى على أخذ زجاجة فاخرة من – المشروبات- قبل مغادرة المكان، بعد تمكين رجال إنفاذ القانون وأمن الفندق التاريخي في العاصمة الأمريكية، الحضور من الإجلاء المنظم بشكل آمن، بعد السيطرة على منفذ الاعتداء الآثم الفاشل.
تلك الصور الفوتوغرافية والفيديوهات المثيرة والمحرجة في آن واحد، جرى تداولها بكثافة مع سيل جارف من التعليقات اللاذعة التي أبدت بعضها استياءها الشديد من ذلك السلوك، فيما استهجن البعض الآخر، ذلك الاستياء أو مجرد الاستهجان! ففي السلوكيات الفردية والثقافات والأنماط والأطوار الشخصية، لا علاقة بكثير مما نراه في البوفيهات وقوفا، بما نسمعه ونراه في الصالونات أو من على المنابر، وقوفا أو جلوسا، بصرف النظر عن المهنة أو الوظيفة. البشر هم البشر، في كل زمان ومكان، وعادة ما تكشف فلتات اللسان وأمارات الوجه، والتصرفات العفوية أو الفورية، تكشف وأحيانا تفضح مخزون ومكنون الإنساني الحقيقي، بعيدا عن الأضواء والكواليس!
المفارقة كانت أن حملة صحفية شرسة، تعرضت لها أكثر من شخصية من بينها وزير الحرب ووزيرة العمل -المقالة قبل أسبوع- ومدير مكتب التحقيقات الفدرالي «إف بي آي»، تتعلق بجانب من اختياراتهم الشخصية كما زعمت بعض «التسريبات أو الوشايات» الصحفية، وفقا لتلك الحملة، والتي لا علاقة لها لا بوظائفهم ولا بسجلهم المهني أو السياسي.
لكن صحافة العولمة المسيطر عليها من تيار اليسار المتطرف الذي تمادى في تغوله باسم حرية التعبير على الجميع إلى حد التنمر وأحيانا الابتزاز، وجد في نفسه ما قيل يوما ما، في شريحة من الأدباء، حيث «يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره»! المراد حينها كان تطويع بعض قواعد الإعراب على سبيل الاستثناء لغايات السجع والقوافي!
وقد كان الشعراء في زمن مضى، بمثابة الإعلامي والسياسي في آن واحد وأكثر، من حيث قدرته على التأثير في صناع القرار، ومن يمتلكون أسباب القوة وكذلك جماهير الناس. وقد قيل أن بيت شعر واحد، قد تسبب بمقتل صاحبه في مواجهة لم تكن محسوبة بقواعد القدرة على المواجهة، من حيث تفاديها أو خوضها وحسمها. خسر على ضوء ذلك المتنبي حياته، وخسرنا معه الكثير من إنتاجه الغزير، ومن أجمله: الخيل والليل والبيداء تعرفني.. والسيف والرمح والقرطاس والقلم..
جميلة تلك المواقف الكاشفة، تفتح العيون دائما، وتتضح فيها الرؤية والرؤيا.
من الآخر، قد تكون الصالونات السياسية جامعة لغايات مصلحية مرحلية يتم فيها تحبيك الأجندات لا مجرد تشبيك أدواتها، لكن الكثير من رواد تلك الصالونات -سياسية كانت أم مهنية- تكشفهم تلك البوفيهات الفارقة أثناء اختيار المدعوين لما فيها من المأكولات والمشروبات، اختيارهم نوعا وكما، قبل الجلوس إلى موائد -دبلوماسية «الزاد» التي تجمع من حولها المضيف بضيوفه بأن «افلحوا»..
تعلّمت من كبير اعتز بأخوّته وأستاذيّته، أن لمحة واحدة لسلوكيات الواقفين في طابور البوفيه، قد تكون كافية لمعرفة أي الموائد تختار لاحقا للانضمام إليها، وأي المدعوين بالإمكان أن تأكل معهم «لقمة» هنية، تغنيك فكرا وأدبا ومعرفة وعلاقات إنسانية حقيقية مستدامة. تغنيك عن «التشبيك» في حفلات «الإتيكيت» الرفيع، أو تعينك على اصطياد رؤوس الكفاءات لغايات الاستقطاب والاستثمار، لا الإقصاء والتطفيش!
