يستخف العديد من السياسيين والمحللين، وفي أحيانٍ يسخرون، من الإفراط في استخدام مصطلح «السردية» في النقاشات والحوارات السياسية اليوم، وقد يكونون محقين في مسألة «تكرار» المصطلح، بلا وعي عميق بمعناه ودلالاته، لكنّهم ليسوا محقّين في التقليل من أهميته وقيمته في عالم السياسة اليوم؛ إذ ربما يكون العامل الحقيقي الذي يعيق الوصول إلى صفقة في مفاوضات إسلام أباد اليوم هو مسألة السردية التي يريد كلا الطرفين بناءها وترويجها حول النتائج السياسية للحرب.
من زاوية نظر واقعية وعقلانية فإنّ مصلحة الطرفين – الأميركي والإيراني – تكمن – بلا شك – في عدم العودة إلى الحرب والوصول إلى صفقة سياسية توافقية تخدم مصالح الطرفين، وما وصلا إليه من توافقات وتفاهمات حول نسبة كبيرة من القضايا الإشكالية يعزز من ترجيح فكرة الصفقة، التي قد لا تنهي الحرب فقط، بل قد تؤدي إلى تطوير مصالح مشتركة بينهما، والعكس صحيح، فإنّ استمرار الحرب سيكون كارثياً بالنسبة لإيران في المرحلة القادمة، بخاصة أنّ المرحلة القادمة منها، إن حدثت، ستكون أكثر تدميراً للبنية التحتية وتأثيراً على البلاد. أما بالنسبة لأميركا فإنّ الحرب ستكون أقرب إلى العدمية مع وجود مؤشرات ودلالات عديدة بأنّ النظام لن يسقط بمعركة عسكرية، وأنّ الرهانات التي بنى عليها ترامب قرار الحرب فشلت، وبالنتيجة سيكون التأثير على الاقتصاد العالمي، بما فيه الأميركي، نسبياً وكبيراً.
المعضلة في الحرب الحالية تتمثّل في أنّ تعريف النصر العسكري فيها غير واضح وغامض، وكلّ يدّعي أنّه الطرف المنتصر، وربما النسبية في هذه التعريفات المرتبطة بالارتباط الوثيق بين الجانب العسكري والأهداف السياسية هي التي تجعل من مسألة النصر جدلية وخلافية، مما يعطي قضية السردية السياسية البعد الأكبر، لأنّ السردية ستلعب هنا دوراً كبيراً في بناء «الإدراك» أو «الخطاب» الذي سيتبناه كل طرف حول إعادة تعريف ما جرى، هل هو انتصار أم هزيمة أم نصف انتصار ونصف هزيمة، وهكذا؛ لأنّ هذا التعريف ستترتب عليه نتائج داخلية وخارجية مهمة لكلا الطرفين، وبالطبع الطرف الإسرائيلي الذي لا تقل مسألة السردية أهمية لديه عن الطرفين الآخرين.
ومما يعزز من أهمية مسألة السردية السياسية كمتغير رئيس في تأطير الصراع والحرب الحالية، هو مستوى التداخل الكبير الذي يحصل اليوم بين البعدين الداخلي والخارجي، وهي مسألة ليست جديدة، فمن المعروف أنّ السياسة الخارجية هي – كما يفترض باستثناء العالم العربي- هي محصلة السياسات الداخلية، والحوار والتجاذب بين القوى الداخلية، لكن نتيجة الاستقطابات الحاصلة في السياسات الداخلية في الدول الأطراف في الصراع فإنّ مستوى الاهتمام بانعكاسات الحرب على السجال والأزمة الداخلية أكبر من المستوى الطبيعي في الحروب العسكرية، فيبدو في المشهد الحالي أنّ العامل الداخلي هو متغير مستقل- مؤثر في قرار الحرب نفسه، وهو متغير تابع- متأثر بما سيقال عن نتيجة الحرب.
على الصعيد الداخلي الإيراني فإنّ الحرس الثوري أصبح الطرف الأكثر أهمية والممسك بعنان الأمور حريص على سردية الانتصار وعدم الهزيمة؛ لأنّها مصيرية له على صعيد وجوده وبقائه ومستقبله في نظام كان يعاني من اهتزازات داخلية كبيرة ومظاهرات عارمة ونقاش في شرعية النظام السياسي نفسه، فإذا كانت السردية هي الصمود والانتصار والبقاء فإنّ ذلك سيعزز من قوته داخلياً، وكذلك الحال يساعده على إعادة إنتاج أو تعريف مصالحه إقليمياً. والحال كذلك بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يرتكز خطابه على الصراع على متغيرات داخلية كبيرة؛ سواء القاعدة المؤيدة للحرب ضد إيران، بخاصة المؤيدة لإسرائيل أو القاعدة الغاضبة منه والتي يستهدفها في كل خطاباته وهي القاعدة الديمقراطية، والرؤساء الديمقراطيين السابقين، بخاصة باراك أوباما الذي وقع الاتفاقية النووية مع إيران في العام 2015، إذ أنّ عدم وجود صفقة قوية لصالح ترامب ستضعفه كثيراً وتجعل سرديته التي بناها خلال الفترة الماضية بأسرها محل تشكيك كبير، بما ينعكس على الانتخابات النصفية المهمة القادمة في شهر تشرين الثاني هذا العام.
الخطاب- السردية ليست مسألة ثانوية أو هامشية هي مسألة تشكيل العالم عبر إطار لغوي وفكري معين؛ وهو ما يجعل من بناء السردية والخطاب من القضايا المهمة، التي يزداد الوعي بها أكثر فأكثر في عالم اليوم، بالنسبة لسياسات الدول ومواقفها، والحرب الحالية تمثل نموذجاً مهماً ومثالاً قوياً على مستوى التأثير الكبير للسردية بخاصة في قرارات الحرب ومصير المفاوضات الحالية.
