في الأمثال ينجلي الموقف أحيانا، وتضيع ملامحه في أحيان أخرى، إلى حد الالتباس. الإسراف في ضرب الأمثال والاقتباس من الماضي أو القياس به، كثيرا ما يضيع الرسالة ويضيّع معها المرسل إليه، المعروف في علوم الاتصال الجماهيري وفنونه، بالمُتَلَقّي.
في المقابل، يروق لمعظم الناس ضرب الأدباء والشعراء تحديدا، الأمثال في محتوياتهم الثقافية، لكن من غير المستساغ هوس الفعل ذاته والأمثال عينها، من قبل بعض من يتصدرون ساحات الاشتباك المفترض أن يكون إيجابيا، مع الصديق والعدو، المحايد والمتردد والمتأرجح، وحتى اللامبالي.
بالإنجليزية ثمة مثال يضرب للنهي عن مقارنة أشياء ما بينها من رابط ولا يستقيم معها أي وجه للقياس. فيقال فيمن يخلط الحابل بالنابل، بأنه كمن يقارن البرتقال بالتفاح، على اعتبار أن جميع صنوف كل منها وهي كثيرة، تبقى من المواد الغذائية وأيضا من عائلة الفاكهة! فكيف هو الحال الذي يبدو عليه جمهور المتأثرين بسرديات وتحليلات وتعليقات وتفاعلات تنطلق من أن تلك الحرب أو الأزمة، لا تعنينا! وما هي إلا بضع كلمات تمهيدا للاشتباك والحوار حتى تسمع وترى ما يدهش وكأنها لازمة مللنا سماعها فيقولوا أصحاب المساحات الرمادية بأننا معفيون من اتخاذ قرار أو إبداء موقف لأنه «لا ناقة لنا بها ولا جمل».. وكأننا في زمن حرب داحس والغبراء!
للأسف، يشيع هذا النهج المؤدي غالبا إلى مغالطات كارثية، فالحياد غير مقبول في المواقف التي تتطلب شجاعة الخروج عن الصمت أو السكون وإن كان مما لا «يطلبه الجمهور» أو يطرب إلى سماعه من بعض المختصين بالسرديات التي تستجلب صيحات الاستحسان و»اللايكات والترندات» الافتراضية. يشيع هذا التوجه لدى ما يوصف «العالم الأول» فترى استعارات «النخب» من المختصين والصحفيين والسياسيين تعود إلى حروب وتحالفات مرت عليها عقود والبعض قرون، كالإشارة إلى الصمود الشعبي الأسطوري في معركة ستالينغراد، أو الضربة اليابانية المباغتة لميناء بيرل هاربر الأمريكي، أو إنزال نورمندي الأمريكي على السواحل الفرنسية. تسمع كل ذلك وأكثر في نقاشات على شاشات ومنصات، يصر روادها على الزج بالحرب الراهنة في مضاربات وكأنهم في مدرج لمضمار لسباق الخيول أو الهجن! فترى فريقا من أولئك يذهبون بعيدا عن الحصار البحري والقصف الذي قد يستأنف بغتة، إلى المراهنة على ما يسمى الأسطول الشبحي، وسلاح البعوض «البحرية» في إشارة إلى الزوارق الصغيرة السريعة والموجهة عن بعد..
ما أردت الحديث كثيرا عن حرب إيران بقدر ما يعنيني إثارة قضية اتصالية معرفية في المقام الأول، تتعلق بالعلاقة بين ما يوصف بوعاء الفكر والوجدان إلا وهي اللغة، وبين المضمون أو الرسائل والسرديات التي من المفترض أن يتعامل معها المعنيون بمنتهى الحذر والدقة والحصافة. فالكلمة والصوت والنبرة واللهجة والصورة والإيماءة، كلها مجسات وموجهات لما يراد إيصاله للناس، داخل حدود أردننا المفدى وخارجه. وتلك مسألة أسمى وأجلّ من التشويش عليها في «برامج الشو» أو الاستعراض، بأمثال «أكل عليها الدهر وشرب»!
من الآخر، كثير من المحتويات لا أتوقف عندها سوى بضع ثوان، إن وجدتُ فيها ما لا يتواكب مع لغة العصر أو طبيعة الموضوع. وكما يقال «يقرأ الكتاب من عنوانه»، فإن غياب اللغة العلمية أو المنطق السديد عند طرح المقدمات، لن يفضي بأي حال إلى ما يستسيغه الجمهور من استنتاجات إن غاب عنها منطق القياس والاستنباط والاستنتاج الصحيح. الحوار المفضي إلى نتائج، لا يمكن أن يستقيم بتلقيم الجمهور المتعطش للمعلومة والحقيقة، تفاح الناقة وبرتقال الجمل! عالم اليوم فيه من التعقيد والتشبيك ما يستحيل معه البقاء على الحياد أو الاكتفاء بالفرجة.. نحن معنيون وبالتالي مدعوون إلى اتخاذ موقف وقرار بحكم دور كل منا في اختصاصه وبحسب موقعه وقدراته. الطامة الكبرى أن الأماني أحيانا تجعلنا نجافي الحقيقة فنظلمها ونظلم أنفسنا. قليل من الواقعية خير من كثير من الهروب من الواقع بالأمثال والأشعار. وقد أثبتت حروب وأزمات سابقة، أن الغلبة لأولي العزم من الحكماء النبلاء الأمناء في هذا العرين الأردني الهاشمي، ولله الحمد
