عروبة الإخباري –
في الوقت الذي تتجه المواجهة في جنوب لبنان نحو منعطف حاسم، حيث يتقاطع التصعيد الميداني مع حراك سياسي متسارع، في مشهد يعكس محاولة واضحة لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض. فالمؤشرات الصادرة عن الجانب الإسرائيلي توحي بأن العمليات العسكرية الكبرى تقترب من نهايتها، لكن ليس قبل تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية، خصوصًا في مدينة بنت جبيل التي تحوّلت إلى مركز ثقل المعركة.
في الميدان، يواصل الجيش الإسرائيلي توغله داخل بنت جبيل، مستعينًا بوحدات نخبة وقوات خاصة، في محاولة لإحكام السيطرة على واحدة من أبرز نقاط إطلاق الصواريخ في الجنوب. وتُقدَّم هذه المعركة، في الخطاب العسكري الإسرائيلي، على أنها “المعركة الحاسمة” التي قد تُنهي الحاجة إلى عمليات واسعة النطاق لاحقًا.
ومع ذلك، فإن هذا التقدير لا يلغي واقعًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في استمرار قدرة حزب الله على المناورة والاحتفاظ بترسانة صاروخية فاعلة في عمق الأراضي اللبنانية، ما يعني أن أي “نهاية للمعارك الكبرى” لا تعني بالضرورة نهاية التهديد.
بالتوازي مع هذا التصعيد، تتحرك الدبلوماسية بوتيرة لافتة. فقد برزت مؤشرات على قرب انطلاق مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وسط ضغط أميركي واضح لدفع الطرفين نحو تهدئة. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بلاده تعمل على “خلق بعض الهدوء”، كاشفًا عن اتصالات تُمهّد لمسار تفاوضي قد يبدأ قريبًا. وتفيد تسريبات بأن هناك تفاهمًا ضمنيًا يمنح إسرائيل هامشًا زمنيًا محدودًا لاستكمال عملياتها، قبل الانتقال إلى مرحلة التهدئة.
غير أن الطريق إلى اتفاق لا يبدو معبّدًا. فالشروط التي تطرحها إسرائيل – من إنشاء منطقة عازلة حتى نهر الليطاني، إلى ضمان حرية عمل عسكري داخل لبنان، وصولًا إلى الدفع نحو نزع سلاح حزب الله – تصطدم برفض واضح من الحزب وحلفائه، الذين يرون في هذه الطروحات محاولة لتكريس واقع أمني جديد يمسّ بالسيادة اللبنانية. وفي المقابل، يواصل حزب الله عملياته العسكرية، عبر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف القوات الإسرائيلية، في رسالة مفادها أن الضغط الميداني لن يكون أحادي الاتجاه.
هذا التداخل بين الميدان والسياسة يعكس معادلة دقيقة: فكل طرف يسعى إلى تحسين موقعه التفاوضي عبر القوة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة لا يبدو أن أيًا من الأطراف يرغب في تحمل كلفتها. إسرائيل تحاول إنهاء المرحلة الحالية بإنجاز عسكري ملموس يترجم إلى مكاسب سياسية، فيما يسعى حزب الله إلى إثبات قدرته على الصمود ومنع فرض شروط أحادية عليه.
في المحصلة، يقف جنوب لبنان أمام مرحلة فاصلة، حيث لا يمكن فصل نتائج المفاوضات المرتقبة عن مسار العمليات العسكرية الجارية. فالميدان لا يزال هو العامل الحاسم في رسم حدود التسوية المقبلة، وأي اتفاق لن يكون سوى انعكاس مباشر لتوازن القوى الذي يتشكل الآن تحت وقع النار.
