لم أكن أتوقع يومًا أن أطالع مقالًا للصحفية حنان مبروك بهذا القدر من الاحتراف المتوهج والنَفَس المهني العالي؛ ذلك أن الصورة التي ترسّخت لدينا عنها لطالما ارتبطت بكتاباتها في الشأن الثقافي والفني، حيث اللغة الرشيقة والطرح الأنيق. غير أن ما قدّمته هذه المرة شكّل مفاجأة مدوّية بكل ما تحمله الكلمة من معنى—مفاجأة لا تقوم فقط على اختلاف الموضوع، بل على “قفزة نوعية في عمق المعالجة وقوة الطرح واتساع الأفق”.
لقد خرجت حنان من المساحات التي أبدعت فيها سابقًا، لتدخل ميدانًا أكثر حساسية وتشابكًا، لا يكتفي فيه الكاتب بجمال الأسلوب، بل يحتاج إلى اتزان الرؤية، ودقة التقدير، وجرأة محسوبة. وهنا تحديدًا، أثبتت أنها ليست مجرد كاتبة متخصصة، بل قلم مرن ومتمكن، قادر على إعادة تعريف نفسه وتوسيع مجاله بثقة واقتدار.
كانت هذه المفاجأة أشبه بإعلان غير مباشر: أن الصحفي الحقيقي لا يُقاس بموضوعاته، بل بقدرته على الإحاطة بأي موضوع يمنحه قلمه، وأن الموهبة حين تقترن بالوعي، يمكنها أن تعبر كل الحقول دون أن تفقد بريقها أو مصداقيتها.
في مقالها اللافت “أهل مكة أدرى بشعابها”، لا تكتفي حنان مبروك بكتابة رأي عابر حول واقعة متداولة، بل تُنجز نصًا فكريًا متماسكًا يرتقي إلى مستوى التأمل العميق في سلوك الإنسان المعاصر تحت سطوة الفضاء الرقمي.
هذا المقال ليس مجرد تعليق صحفي؛ إنه قطعة وعي مكتوبة بعناية، تُمسك بخيوط ظاهرة متشابكة وتفككها بهدوء وثقة، دون ادعاء أو انفعال. تمتلك الكاتبة قدرة لافتة على تحويل حادثة فردية إلى مدخل لطرح أسئلة كبرى: من يملك حق الرواية؟ ما حدود النشر؟ وأين ينتهي الفضول ليبدأ التعدي؟
ما يدهش في النص هو هذا التوازن الدقيق الذي قلّما نجده: لغة رشيقة دون تكلّف، عمق فكري دون تعقيد، نقد واضح دون قسوة، تعاطف إنساني دون تبرير.
تكتب وكأنها تمشي على خيط رفيع بين العقل والعاطفة، فلا تسقط في فخ الشعبوية، ولا تنعزل في برج تنظيري بارد. بل تمنح القارئ مساحة ليرى نفسه في المرآة، دون أن يشعر بأنه مُدان، وهذه مهارة صحفية نادرة.
الأجمل في المقال أن حنان مبروك لم تستدعِ المثل العربي “أهل مكة أدرى بشعابها” كزخرفة لغوية، بل أعادت توظيفه كإطار أخلاقي معاصر، يُحاكم فوضى النشر الحديثة ويضع لها حدودًا من الحكمة المتجذرة في الثقافة.
حنان لا تكتب عن حادثة فقط، بل عن عصر كامل: عصر يختلط فيه المشهد بالحقيقة، والصورة بالسياق، والرأي بالمعرفة، وفي زمنٍ أصبح فيه الجميع “ناشرين”، يبرز صوتها ليذكّر بأن: النشر مسؤولية، وأن الوعي ليس تلقائيًا، وأن امتلاك الأداة لا يعني امتلاك الحكمة.
هذا النوع من الكتابة لا يُقرأ مرورًا عابرًا، بل يُتأمل ويُعاد التفكير من خلاله. وهو ما يجعل المقال إضافة حقيقية للنقاش العام، لا مجرد مادة استهلاكية في زحام المحتوى.
تحية تقدير كبيرة لصحفية تكتب بعقلٍ يقظ، وبصيرة نافذة، وقلم يعرف تمامًا أين يقف… ومتى يتكلم.
