سلطان المعاني
تقدّم رواية 791، معسكر الاعتقال رقم 1 شهادة سردية عالية الأثر، تنقل النكبة من فضاء الحدث السياسي العام إلى فضاء التجربة الإنسانية المعيشة، حيث يسكن الألم البيتَ، والجسدَ، والقريةَ، والمدينةَ، والرسالةَ، والرصيفَ، والانتظارَ الطويل. ويحمل العنوان منذ العتبة الأولى دلالته المركزية، فالرقم 791 يحيل إلى آلية محوٍ تستهدف الإنسان في اسمه وسيرته وعائلته ومكانه، ثم تدفعه إلى خانة رقمية باردة داخل آلة القهر. ومن هنا تبدأ الرواية مشروعها العميق، استرداد الإنسان من قبضة الرقم، واسترداد الذاكرة من قبضة العنف.
يقوم البناء السردي على انتقال مدروس من عالم الحياة إلى عالم الاقتلاع. في الفصل الأول تتشكّل القدس وأحياؤها وقراها، الطالبية، وبتير، والقطمون، فضاءاتٍ نابضةً بالعاطفة والعمل والقرابة والزفاف المؤجل والحلم الأهلي. وفي الفصل الثاني ينقلب الإيقاع إلى فضاء المعسكر، حيث يتحول الاسم إلى قيد، والبيت إلى أثر، والجسد إلى مادة امتحان يومي، ثم يفتح السرد نافذة على دير مار إلياس، وعلى الرسائل، وعلى رصيف يافا، وعلى التبعثر الذي يجرح البشر والأمكنة معًا. وهكذا تتكوّن الرواية من قوس واضح، حياة تتأسس، ثم ضربة تاريخية تمزق انتظامها، ثم محاولة شاقة لحفظ ما بقي من أثرها.
وتكمن قوة العمل في أنه يصر على رؤية الكارثة من داخل العائلة. فحين يصل إبراهيم مضرجًا بدمائه إلى بيت نعمان في حي الطالبية، حاملًا خبر سقوط الأحياء الغربية وتمركز الصهاينة في دير مار إلياس، يتحول الخبر العسكري إلى رجفة بيت، وارتباك أسرة، وذعر مدينة. ثم يعود السرد إلى سنة 1936، فيعرض تأخر زفاف إبراهيم وصفية بسبب الضريبة والضيق الاقتصادي، فتدخل السياسة الاستعمارية إلى عصب الحياة اليومية، وتصبح الضرائب أداة ضغط على الخبز والزواج والكرامة. وبهذا يربط النص بين الحدث الكبير والحياة الصغيرة، ويمنح الوقائع التاريخية جسدًا محسوسًا.
ويبرز المكان في الرواية بصفة بطل سردي كامل. فالطالبية في بداياتها حيٌّ حميم، تتجاور فيه البيوت والأسماء والوجوه، ثم تتحول لاحقًا إلى مساحة سلب وإحلال، حين تُفرَّغ البيوت من محتوياتها وتُعاد صياغة وظيفتها تحت سلطة الاحتلال. وبتير تحضر أرضًا ومحصولًا ومصدر رزق وموعد زفاف مؤجلًا. والقطمون تدخل بوصفها فضاء المدينة الحديثة، حيث الإذاعة والثقافة والعمل الوطني. ثم يأتي معسكر 791 ليمثل الذروة المقابلة، مكانًا يسحق الحميمية، ويعيد صياغة البشر في صورة هياكل منهكة، تعاني الجوع والعطش والعمل القسري والقمل والأمراض والتهديد المستمر. وبعده يظهر دير مار إلياس فضاءً وسيطًا، يمنح حماية مؤقتة، ويعيد للناس شيئًا من أسمائهم وأوراقهم وسيرهم بعد أن حاول المعسكر شطبها.
ومن الوجهة الفنية، تنحاز لغة الرواية إلى الوضوح والاقتصاد والشفافية. فالجمل تمضي في خدمة التجربة، وتحفظ حرارة الألم من غير زخرفة ثقيلة. والحوار قصير غالبًا، محمّل بإيقاع الحياة اليومية، فيما تتقدم المشاهد على هيئة لقطات متتابعة، سريعة حين يشتد الخطر، هادئة حين يعود السرد إلى أزمنة التكوين. وهذه السمة تلائم طبيعة العمل؛ فالرواية تنشد حفظ الجرح في صورته البشرية الأولى، وتمنح الذاكرة حركتها الصافية من غير استعراض أسلوبي كثيف.
ويكشف الفصل الأول عن هندسة سردية تقوم على الاسترجاع المؤسس. يبدأ النص من ذروة الجرح، ثم يعود إلى البدايات كي يشرح كيف وصل إبراهيم إلى تلك العتبة الدامية. ويظهر إبراهيم في هذا الفصل جسرًا بين الريف والمدينة، بين الأرض والسلاح، وبين المشروع الشخصي والالتزام الوطني. أما نائلة فتتشكل بوصفها ذاكرة البيت ورقّته، امرأة عاملة وصاحبة حضور إذاعي وعاطفي، ترتبط بعيسى في قصة حب هادئة سرعان ما تكتسب ثقلاً مأساويًا بعد مقتله. وعيسى نفسه يجيء في صورة المثقف الوطني الذي يلتقي فيه الميكروفون والبندقية، فيما ينهض نعمان بصورة رجل البيت والنجاح الأهلي. ويبلغ الفصل ذروته حين تُقتل شخصية عيسى، فتتحول الأم الثكلى إلى صوت يورّث الوجع والرسالة معًا، وتدفع إبراهيم إلى حمل المهمة.
أما الفصل الثاني فيقوم على قوس درامي أشد قسوة. يبدأ من لحظة الاقتياد إلى معسكر الاعتقال، حيث تنشطر العائلة دفعة واحدة، وتتحول البيوت إلى أقفاص، والأسماء إلى أرقام. وفي هذا الفضاء يظهر المعسكر بصفته آلة محو، تمحو الحرية أولًا، ثم تمحو الاسم، ثم تسعى إلى محو الذاكرة ذاتها. ومن أكثر مشاهد الفصل ألمًا مشهد صفية الحامل، التي تدخل المخاض داخل الأسر، ثم تلد في قلب الرعب، ثم تسقط قتيلة، ثم تُقتل ابنتاها الصغيرتان، فيتحول الميلاد نفسه إلى شاهد على القسوة التاريخية. وهنا تتبدل نائلة من شاهدة على الكارثة إلى أم بديلة، حاملة للطفل، وحاملة لذاكرة صفية وأمانتها.
وفي قلب هذا العالم يظهر سلامة اليافاوي، إحدى أهم شخصيات الرواية. فهو شاب صامت، يعمل حلاقًا ومعالجًا شعبيًا، غير أن الرواية تبني بطولته بالتدرج، من خلال صبره، ووفائه، وحمله للأمانة، ومساعدته نائلة ورضيعها، ثم انتقاله إلى المغارة، ثم إلى دير مار إلياس، ثم إلى الفعل المقاوم. وتمثل «الأمانة» بينه وبين نائلة واحدة من أكثر لحظات الرواية كثافة، إذ تتحول من هدية وصورة وقرطين إلى سلسلة نسب روحي تربط القتيل بالغائب، والغائب بالطفل، والطفل بالمستقبل.
وتكتسب الرسائل داخل الفصل الثاني وظيفة مركزية. فهي تصل بين أمكنة متباعدة، وتحفظ حرارة العلاقة، وتنقل ما يتعذر نقله بالمشهد المباشر، وتحوّل الوجع إلى أثر مكتوب. وبهذا تصبح الرسائل أداة سردية ووثائقية ووجدانية في آن. فهي تحفظ الصلة، وتمنح الشخصيات صوتها الخاص، وتثبت أن الإنسان، حتى في قلب التشتت، ما يزال قادرًا على كتابة أثره ومقاومة المحو.
ويمنح ملحق الصور الرواية طبقة إضافية من القوة. فالصور العائلية، وصور المدارس والمهن والمدينة والإذاعة، ثم صور المعسكر واللاجئين والأطفال بعد النكبة، ترتب العالم ذاته الذي بناه النص بالكلمات. يبدأ الملحق بعالم ممتلئ بالحياة، بالعائلة، والتعليم، والعمل، والتمدن، ثم ينقلب إلى مشاهد الأسر والرحيل والتشظي. وتكتسب هذه الصور قيمة تأويلية، لأنها تثبت أن الرواية تتحرك على تخوم الأدب والأرشيف معًا، وتمنح الذاكرة سندًا بصريًا يعمّق أثرها.
وعند جمع الكتاب كله في إطار واحد تتضح دعائمه الكبرى، العائلة، والمكان، والوثيقة، والذاكرة. فالعائلة تمثل الوحدة السردية التي تُقاس بها قيمة الأشياء، والمكان يحتضن الحياة ثم يشهد اقتلاعها، والوثيقة تثبت الأثر وتحفظ الأسماء والتواريخ والصور، والذاكرة تعيد ترتيب العالم المكسور في بنية قابلة للرواية. ومن خلال هذا التداخل ينجح النص في أن يجعل النكبة امتحانًا لهذه العناصر جميعًا، ويبيّن كيف يُصان العالم المهدد داخل السرد.
والتقدير العام للرواية مرتفع من حيث القيمة الإنسانية والذاكرية والسردية. فقوتها الكبرى تكمن في صدقها، وفي تحويلها النكبة من خبر تاريخي عام إلى تجربة معيشة داخل البيت والجسد والرسالة والرصيف. وربحها الأوضح يظهر في باب الشهادة والذاكرة الحية، فيما تبدو بعض الشخصيات أقرب إلى الصفاء التمثيلي من التعقيد النفسي العميق. غير أن هذا الخيار ينسجم مع طبيعة العمل، لأنه يمنح الوجع صوتًا واضحًا وأثرًا ثابتًا.
وتستقر القراءة الأخيرة عند حقيقة بسيطة وعميقة في آن، هذه الرواية تنجح في أن تخرج بالقارئ من رقم المعتقل إلى اسم الإنسان، ومن الاسم إلى البيت، ومن البيت إلى العالم الذي تهشم وما يزال يطلب من يرويه. وهنا تكمن قيمتها الكبرى، فقد جعلت من الرواية بيتًا ثانيًا للذاكرة، وحفظت في صفحاتها ما حاول التاريخ القاسي أن يبدده.
