الخبر – ريتا بولس شهوان –
في ظل الأجواء العاصفة التي تمر بها المنطقة، يبرز تساؤل جوهري لدى اللبنانيين، لا سيما في المناطق البعيدة عن نقاط التوتر: لماذا تظل البنية التحتية للدولة (المطار، الموانئ، محطات الطاقة) صامدة رغم التهديدات؟ الإجابة تكمن في “تقاطع مصالح” دولي وإقليمي معقد، يرى في بقاء الدولة اللبنانية ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، بل ومصلحة استراتيجية حتى للأطراف المتصارعة.
أولاً: الدولة كشريك ضروري للتفاوض و”فكفكة” الدويلة
تدرك إسرائيل، ومن خلفها المجتمع الدولي، أن أي صراع عسكري يجب أن ينتهي بـ “ترتيبات سياسية”. هنا تبرز أهمية الحفاظ على أركان الدولة اللبنانية؛ فلا يمكن التفاوض مع فراغ، ولا يمكن لجهة دولية أن تضمن تنفيذ قرارات مثل (1701) ما لم يكن هناك “عنوان شرعي” وقوي متمثل في الدولة ومؤسساتها الأمنية والإدارية.
من مصلحة إسرائيل بقاء الدولة ليكون هناك طرف مسؤول قادر على “تفكيك نفوذ حزب الله” تدريجياً وملء الفراغ السيادي. إن الحفاظ على هيكل الدولة هو استثمار في المرحلة التي تلي الحرب، حيث يُراد للدولة أن تكون هي الجهة الوحيدة التي تبسط سيادتها، مما يسحب الذرائع من أي سلاح خارج إطار القانون.
ثانياً: استراتيجية “البديل الجاذب” للشعب
لا تهدف الحسابات الحالية إلى تدمير لبنان ككيان، بل إلى الفصل الواضح بين “الدولة” و”التنظيم المسلح”. الحفاظ على البنية التحتية في المناطق التي لا نفوذ فيها لحزب الله يهدف إلى تقديم “نموذج بديل” للشعب اللبناني، بما في ذلك البيئات الواقعة تحت نفوذ الحزب. الرسالة الضمنية هي أن “الدولة اللبنانية” هي المظلة التي تضمن الحياة والخدمات والاتصال بالعالم، بينما الانخراط في الصراعات الإقليمية يؤدي إلى العزلة. بقاء المؤسسات تعمل هو محاولة لتحفيز القوى الداخلية على الالتفاف حول خيار الدولة كبديل وحيد للاستقرار.
ثالثاً: الضغط الدولي ومنع “الدولة الفاشلة”
هناك إجماع (أمريكي – فرنسي) صارم على منع انهيار مؤسسات الدولة اللبنانية. واشنطن وباريس تريان أن تحول لبنان إلى “دولة فاشلة” تماماً يعني فتح الباب أمام فوضى لا يمكن السيطرة عليها، وهو ما سيزيد من نفوذ الجماعات المتطرفة والتدخلات الخارجية غير المحسوبة. بالإضافة إلى ذلك، تريد إسرائيل تجنب “المسؤولية الإنسانية”؛ فدمار البنية التحتية الشامل سيؤدي إلى نزوح جماعي وكوارث معيشية ستضع إسرائيل في مواجهة ضغوط سياسية وعقوبات دولية خانقة.
رابعاً: موازين القوى (النموذج الإيراني – الأمريكي)
هذا السلوك في لبنان يشبه إلى حد كبير تعامل الولايات المتحدة مع إيران؛ حيث تتجنب واشنطن ضرب البنية التحتية الإيرانية (كالنفط والطاقة) لتجنب أمرين:
انفجار حرب إقليمية شاملة قد تشعل المنطقة من الخليج إلى المتوسط.
استقرار الاقتصاد العالمي، إذ أن ضرب منشآت الطاقة سيؤدي لقفزة في الأسعار تضر بالغرب نفسه.
في الحالة اللبنانية، يلعب “الردع المتبادل” دوراً مشابهاً؛ فحماية البنية التحتية اللبنانية تقابلها رغبة في تحييد البنية التحتية الإسرائيلية الحيوية، مما يخلق نوعاً من “العقلانية القسرية” التي تحمي المنشآت الوطنية من الجانبين.
خامساً: رسالة طمأنينة للمناطق المستقرة
بالنسبة للمناطق التي لا تشكل أوراق ضغط عسكرية، فإنها تمثل اليوم “خزان الأمان” للبنان القادم. إن تحييد هذه المناطق ومرافق الدولة فيها ليس من قبيل الصدفة، بل هو اعتراف دولي بأن هذه هي “المساحة الشرعية” التي سيُبنى عليها لبنان الجديد. مطار بيروت، المرافئ، والمدن التي تنشد الحياة، كلها تقع ضمن دائرة الحماية الاستراتيجية لأنها تمثل وجه لبنان الذي يريد العالم بقاءه.
إن الدولة اللبنانية ليست مجرد “مراقب” في هذا الصراع، بل هي “الهدف النهائي” للاستقرار. الحفاظ على أركانها هو مصلحة دولية وإقليمية لضمان وجود شريك يتسلم زمام المبادرة، ويفكك دويلات النفوذ، ويقود الشعب نحو بديل مؤسساتي آمن. لذا، تظل الدولة ومناطقها الحيوية محصنة بمنطق الاستراتيجية، بعيداً عن ضجيج المعارك العابرة.
