عروبة الإخباري –
في زمنٍ تضجّ فيه الأصوات وتتشابك الأحداث، تشرق رلى السماعين كقيمةٍ إعلامية وفكرية استثنائية، ليست مجرد اسمٍ يُذكر، بل تجربةٌ يُحكى عنها التاريخ، فكانت عقلٌ باحثٌ وقلبٌ منحاز للإنسان، وكلمةٌ تعرف طريقها إلى الحقيقة قبل أن تصل إلى الصفحة.
منذ انطلاقتها لم تكن مجرّد صحفية تنقل خبرًا، بل كانت صوتًا مسؤولًا، وإعلامًا يرى أن الرسالة أكبر من الحدث، وأن الإعلام صناعة وعي وبناء جسور بين الشعوب والثقافات.
ومنذ انطلاقتها في صحيفة *The Jordan Times*، لم تكن مجرّد صحفية تنقل الخبر، بل كانت عقلًا باحثًا وقلبًا منحازًا للإنسان. اختارت أن تتخصص في قضايا الحوار بين الأديان والسلم المجتمعي، في وقتٍ كان العالم بأمسّ الحاجة إلى أصواتٍ تعلي شأن المشتركات الإنسانية. كتبت عن الآثار بوصفها ذاكرة وطن، وعن حقوق الإنسان بوصفها كرامة لا تقبل التجزئة، فصاغت من تقاريرها وثائق مضيئة تليق بالأردن وتاريخه.
تميّزت السماعين بسبقها الصحفي وجرأتها المعرفية؛ فكانت أول من تناول كاتدرائية البترا في تقريرٍ لاقى صدى دوليًا واسعًا، كما سلطت الضوء على كنيسة رحاب التي يُعتقد أنها الأقدم في العالم، لتعيد تقديم الإرث الديني والثقافي الأردني إلى العالم بلغةٍ رصينة وحججٍ موثقة. لم تكن تلك مجرد موضوعات صحفية، بل رسائل حضارية تؤكد أن الأردن أرض تلاقي وحوار.
وفي عام 2023، حين اختيرت ناطقة باسم الموقع التاريخي “مكاور”، ارتقت بالمهمة إلى مستوى الرسالة الوطنية. أعدّت موادًا توثيقية ومقاطع تعريفية بأسلوبٍ احترافي جذاب، وأسهمت بحضورها الإعلامي في ترسيخ صورة المكاور كوجهةٍ دينيةٍ وتاريخيةٍ عالمية. كان أداؤها مثالًا على كيف يمكن للإعلام الواعي أن يكون شريكًا حقيقيًا في التنمية السياحية والثقافية.
ولم يكن تكريمها الدولي بصفتها “قائدة/صانعة سلام” إلا انعكاسًا لمسارٍ طويل من الالتزام الصادق بقيم الانسجام والتسامح. فهي لا تكتب عن السلام بوصفه شعارًا، بل تمارسه فكرًا وسلوكًا ومشروعًا مستمرًا. أما في حقل التأليف، فقد قدّمت أعمالًا تثبت أن قلمها قادر على الجمع بين الفكر والأدب؛ في «حصن السلام» الذي حظي باهتمام رسمي واختير ضمن إصدارات المئوية، رسّخت مفهوم السلام كقوةٍ داخليةٍ ومجتمعية، وفي «نحو الهزيع الرابع» و«تفوحُ نارديناً» أظهرت قدرةً على التنقل بين التحليل العميق واللغة الأدبية الراقية، مؤكدة أن الإبداع لديها ليس هامشًا، بل امتدادٌ طبيعي لمسيرتها الفكرية.
عضويتها في مؤسسات فكرية مرموقة، واستكمالها مسيرتها الأكاديمية نحو الدكتوراه في فلسفة العلاقات الدولية، يعكسان شخصيةً تؤمن بأن المعرفة مسؤولية، وأن الفكر لا ينفصل عن العمل. رلى السماعين ليست مجرد إعلامية ناجحة، بل نموذجٌ أردنيّ مضيء يجمع بين المهنية والرسالة، بين الثقافة والالتزام، وبين الوطنية والانفتاح الإنساني. إنها صوتٌ يكتب ليبني، ويحلّل ليقارب، ويتحدث ليجمع… فاستحقت عن جدارةٍ كل إشادة وتقدير.
وفي عيد ميلادها، لا يُقال إن عامًا مضى… بل يُقال إن مجرّةً جديدة وُلدت.
هي ليست رقمًا على هامش الزمن، بل علامةً فارقة في متنه؛ ليست اسمًا يُذكر، بل رايةً تُرفع. وإذا ذُكرت الكلمةُ الحرة كان اسمها في طليعتها، وإذا ذُكر السلام كان صوتها صداه الأصدق.
في يوم ميلادكِ، ترتّب الشمسُ أشعتها على هيئة تاج، ويصعد الفجرُ درجات السماء ليصافح خطاكِ، وتقف الحروف صفوفًا كجنودٍ أوفياء بانتظار أن تمنحيها شرف المعنى.
يا امرأةً تمشي فينحني التعب احترامًا، وتكتب فينحاز الحبر إلى الحقيقة، وتتحدث فيصير الصوت موقفًا، ويصير الموقف وطنًا.
أنتِ لستِ احتفالًا عابرًا، أنتِ اشتعالُ فكرةٍ لا تنطفئ، نارُ الشغف حين تتوهّج، ونورُ الحكمة حين يستقرّ.
كل عامٍ وأنتِ أكثر توهجًا من الشهب، أكثر رسوخًا من الجبال، أكثر اتساعًا من الأفق حين يحتضن البحر، وأكثر حضورًا من التاريخ حين يُعادُ اكتشافه.
في ميلادكِ، لا نُهديكِ وردًا، بل نهديكِ امتناننا لأنكِ علمتِنا أن الكلمة مسؤولية، وأن الفكر شجاعة، وأن السلام ليس شعارًا بل سلوكًا يوميًّا يليق بالعظماء.
رلى… كلّما تقدّم بكِ الزمن، ازداد وهجكِ، وازداد عمقكِ، وازداد حولكِ الضوء.
كبرتِ عامًا؟ بل ارتفعتِ مقامًا. تقدّمتِ سنة؟ بل اتّسعتِ أثرًا.
كل عامٍ وأنتِ الأسطورة حين تكتب، والقصيدة حين تمشي، والفجر حين يقرّر أن يولد من جديد.
كل عامٍ وأنتِ نارُ الإبداع إذا خمدت الأرواح، ونجمُ الثبات إذا اضطربت الجهات، وسيدةُ الحرف إذا أراد أن يتوّج نفسه بالخلود.
عيد ميلادكِ… هو بيانُ مجدٍ يتجدد، وفصلٌ جديد من ملحمةٍ اسمها: رلى السماعين.
