في عالمٍ تتسارع فيه العلوم كل يوم، يبقى السؤال بسيطًا: كيف نصنع معرفةً عربية إذا كانت العلوم تُفهم بعيدًا عن لغتنا؟
ومن هنا أعلنت المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا (ASTF) إطلاق مبادرة «نفهم العلوم لنصنع المعرفة»، برئاسة الأستاذ الدكتور عادل شريف الحسيني، لتأكيد حضور العربية في فهم العلوم وجعلها وعاءً للاستيعاب والإبداع والابتكار.
ويأتي إطلاقها امتدادًا لنهج الشارقة الثقافي والمعرفي الذي يرعاه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بما يعكس عنايته بالعلم وترسيخ حضور العربية في مسارات المعرفة.
وتكشف بيانات المحتوى العلمي العربي عن فجوةٍ واضحة: أكثر من 400 مليون ناطق بالعربية، مقابل حضورٍ محدود للمحتوى العلمي المتخصص بلغتهم. وتسعى المبادرة إلى تغيير هذا الواقع عبر تقديم العلوم بالعربية بلغة مبسطة ومهنية، تُقرّب المفاهيم دون الإخلال بالدقة، وتساعد القارئ العربي على الانتقال من الفهم إلى إنتاج المعرفة والابتكار.
ويترأس المبادرة الأستاذ الدكتور عادل شريف الحسيني، أستاذ هندسة المياه وابتكار العمليات بجامعة سَري في المملكة المتحدة، وأحد أبرز العلماء العرب في مجاله. حاز جوائز دولية في الابتكار، وأسهم في تأسيس شركة «مودرن ووتر» لتحلية المياه المدرجة في بورصة لندن، وله أكثر من 200 منشور علمي وأكثر من 30 براءة اختراع.
وخلال مرحلة الإعداد، رُسمت ملامح المبادرة على أسس تنظيمية وعلمية واضحة لضمان الجودة وتوحيد الجهود، من خلال:
إعداد مذكرة تأسيسية حدّدت الرسالة والرؤية والنطاق.
اعتماد لائحة تنظيمية تُعرّف مسارات العمل ومعايير المحتوى.
تشكيل المجلس التوجيهي الأول الذي يضم 17 شخصية عربية متعددة التخصصات من داخل العالم العربي وخارجه، تجمع بين البحث والتطبيق وصناعة السياسات.
وتهدف هذه البنية إلى أن تصل رسالة المبادرة بوضوح إلى المجتمع العلمي والجمهور وصنّاع القرار: أن فهم العلوم بالعربية خطوة أساسية لصناعة المعرفة والابتكار.
وتركّز المبادرة على بناء منظومة معرفية عربية تجمع العلماء والباحثين والممارسين وصنّاع المحتوى، وتخاطب في الوقت نفسه الطالب والمعلم والأسرة وكل مهتم بالعلم. وهدفها العملي تقديم محتوى وأدلة وتجارب تُظهر أن التعلّم باللغة الأم يعزّز الاستيعاب والتحليل وحل المشكلات، ويفتح الباب لإنتاج المعرفة وإطلاق الطاقات الإبداعية، بما يدعم بيئة البحث والابتكار في العالم العربي.
وتبدأ المرحلة الأولى بإطلاق الموقع الإلكتروني astf.net/ask.i، ليكون منصة مفتوحة للمحتوى العلمي المبسّط بالعربية، مع إتاحة مسارات للمساهمة من الخبراء والمهتمين.
وعمليًا، تتضمن الخطة برامج وفعاليات علمية، وورش عمل تخصصية، وندوات حوارية، إلى جانب مبادرات للتواصل العلمي ونشر المعرفة وبناء القدرات. كما سيجري تطوير أنشطة تفاعلية تواكب التطورات التقنية وتعزّز حضور العربية في العلوم والابتكار، مع الحرص على أن تكون المخرجات قابلة للاستخدام في التعليم والإعلام وصناعة المحتوى.
“العلم ليس حكرًا على لغة واحدة. مئات الملايين من الناطقين بالعربية يستحقون أن يفهموا العلوم بلغتهم الأم، بدقة وبساطة في آنٍ واحد. هذه ليست مجرد ترجمة للعلوم، بل إعادة صياغة للمعرفة العلمية بأسلوب يحترم العقل العربي ويُلهم الأجيال القادمة. نحن لا نُبسّط لنُضلّل، بل نُبسّط لنُمكّن.”
— د. عادل شريف الحسيني, رئيس مبادرة ASK (بريطانيا/العراق)
“كبار علمائنا العرب الذين درسوا في الغرب وبلغوا أعلى المراتب يؤكدون أن البداية الصحيحة هي أن نفهم العلوم بلغتنا الأم. حين نفهم بالعربية، نستعيد ثقتنا ونستعيد مكاننا بين الأمم، ونحوّل العلم من معلومات تُستهلك إلى معرفة تُنتَج وابتكارٍ يخدم مجتمعاتنا.”
— د. عبدالله النجار، رئيس المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا
وتستند المبادرة إلى شبكة خبراء المؤسسة التي تضم أكثر من 70 ألف خبير في أكثر من 120 دولة؛ بحيث يساهم المتخصصون في تبسيط المحتوى ضمن مجالاتهم، بما يجمع بين الدقة العلمية وسهولة الوصول للقارئ غير المتخصص.
وتأتي هذه المبادرة كأحدث مبادرات المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا ضمن منظومة شبكاتها المتخصصة، لتؤكد التزام المؤسسة بأن يكون الحضور العربي في العلم حضورًا مُنتِجًا: فهمٌ أعمق، ومعرفة تُبنى، وابتكارٌ يصل أثره إلى المجتمع.
ولأن المعرفة لا تُولد من الحفظ وحده، بل من الفضول وطرح الأسئلة وفهم المعنى، تراهن هذه الخطوة على حقّ القارئ العربي — طفلًا كان أو طالبًا أو مهنيًا — أن يجد العلم قريبًا من لغته وحياته. وحين يصبح تعلّم العلوم بالعربية عادةً يومية، تتحول الأسئلة إلى أفكار، والأفكار إلى حلول وابتكار.
