في صمت الليل الطويل، حين يختفي كل ضجيج العالم، وتتسلل أنفاس الريح بين أضلاع القلب، أتذكرك… يا أبي.
أتذكرك كما لو أن الزمن لم يمر، كما لو أن كل لحظةٍ مضت كانت أمسًا فقط، وأنك ستعود لتجلس بجانبي، تبتسم لي بصفاء قلبك الحليم، وتقول: “لا تقلق… كل شيء سيكون بخير”.
أكتب هذه الكلمات والدموع في عيني تسبق الحروف في صراخها باسمك، فأشعر بثقل الفقد، وبحجم الغياب الذي لا يملؤه شيء.
أبي… لم يكن حضورك مجرد حياة، بل كان وطنًا، أمانًا، ونورًا يضيء لنا الطريق، واليوم، بعد رحيلك، تبقى ذكراك كالشمس خلف الغمام، تلمع في قلبي، وتنير دربي رغم كل ألم وحنين.
يا أبي… سنواتٍ انقضت، وعشرتُها لم تملأ فراغك، ولا ذهبت عن قلبي حرقةُ الفقد.
كم حاولت الأيام أن تداوي جراحَ القلب، وكم حاولت الذكريات أن تهدأ، لكنّ كل شيء يذكّرني بك… بك وحدك.
كنتَ الحليم… صامتًا حين يغضب العالم، قويًا حين نرتجف من الحياة، حنونًا كنسيمٍ يلمس القلوب قبل الوجوه.
أهديتَ الجميع سلامًا لم يعرفه إلا من عرفك، وأنت اليوم، رحلت، وتركتنا في صمتٍ أشبه بالليل الذي لا فجر له.
أشتاق لك حين أفتح عيني على الصباح، حين أرى ضوء الشمس يمرّ من نافذة الغرفة، أشم رائحة عطرك، أسمع صوت خطواتك في الذاكرة، وأدرك حينها أنّك لم تعد هنا… وأنّ العالم صار بلاك، بلا حضنك، بلا صمتك الذي كان عزاءً لنا جميعًا.
يا أبي… كم كنتَ مدرسةً للحكمة، وكنزًا للطيبة، وصوتًا يعلو على كل صخب، تعلمنا منك أن نكون أفضل، وأن الصبر والرحمة أعظم من القوة.
وها أنا اليوم أحاول أن أعيش بما علمتني، وأحنّ إليك كما لو أن قلبي ينكسر مع كل ذكرى.
رحمك الله… بعدد دمعةٍ لم تُذرف بعد، وبعدد كلمةٍ كنتَ سترجوها منا ولم نجرؤ على قولها، وبعدد حلمٍ حلمناه معك، ووجدناك في آخره دائمًا، واليوم… لم نجدك.
يا أبي، يا من كان وطنًا قبل أن يكون أبًا، يا من كان حضنك أمانًا، وصمتك حكمةً، وضحكتك نعمةً…
لا أدري كيف أصبر، ولا كيف أملأ الفراغ الذي تركته، لكنك دائمًا معي، في روحي، في قلبي، في دموعي… وأعلم أنّ لقاءنا سيأتي، حين ينتهي هذا الليل الطويل، وحين يجمعنا الرحمن في دارٍ لا فراق فيها، حيث أراك ابتسم لي كما كنت… تقول: “لا تحزنوا… فالحياة مهما ابتعدت عنكم، أنا هنا.”
