كنت أخشى أن أكتب، خوفًا من أن من عدم القدرة على مجاراتي لكما، فلك وصبرا، وأن يثقل ثقل الكلمة على كاهلي أمام صروح البيان التي شيدتها الدكتورة فلك مصطفى الرافعي، وأمام القامة الرفيعة، الحكيمة، الصلبة، التي يمثلها الأستاذ حسن صبرا.
فكيف للكلمات أن تصف صبرًا خرج من رحم الألم، وعزيمةً تصعد إلى الأعلى رغم الجراح، وفكرًا يمشي بين صفحات التاريخ كما تمشي الشمس في الفضاء، تضيء كل شيء وتمنح الروح شعورًا بالدهشة والرهبة معًا؟
نصوص الدكتورة فلك هي نبضُ حياة، وشهادة على أن الألم إذا صُبر عليه يتحول إلى نور، وأن الحبر إذا صُقل بالإيمان يصبح جسرًا يربط بين الفرد والإنسانية كلها.
أما رد الأستاذ حسن صبرا، فهو أعظم من مجرد رد… إنه وقفة جبلية،
انحناءة تقدير أمام العظمة، وشهادة على أن النبل لا يحتاج إلى تزويق، وأن الوفاء للقلم والتاريخ أسمى من كل مدحٍ أو إشادة.
هنا، عند هذا الالتقاء، يلتقي الصبر مع البلاغة، والتجربة مع العاطفة، والذاكرة مع البطولة، ليولد نصّ لا يكتفى بالقراءة، بل يُعاش ويُحسّ، كما يُحسّ النور حين يملأ فجأة قلب الظلام.
في حضرة الدكتورة فلك الرافعي، وفي ظلّ الأستاذ الكبير حسن صبرا، يبدو الكلام قليلًا، وتبدو اللغة ـ بكل اتساعها ـ كضفّةٍ ضيقة تحاول احتضان مدٍّ من المعاني لا ينحسر.
يا دكتورة فلك، لقد خرجتِ من زمن المرض كما يخرج الذهب من تحت مطارق النار:أصفى، أبهى، وأصلب.
لم يكن اعتكافكِ انكسارًا، بل كان ارتقاءً إلى مقام الذين يتعلّمون الصبر لا من الكتب، بل من شفرة الألم نفسها؛
أولئك الذين يُمضي الله على جبينهم شيئًا من سرّ قوله: “إنما يُوَفّى الصابرون أجرهم بغير حساب” فيغدون أكبر من الوجع، وأشد نورًا من العتمة التي عبروا خلالها.
سرتِ في ذاكرة التاريخ لا كشاهدة، بل كمن يفتح نوافذ الزمن فيشهد روح أبيكِ العظيم، ذلك الناصريّ الباهر الذي عاش الصبر لا كعباءة تُرتدى، بل كراية تُرفرف فوق كل منعطف.
ثم يتقدّم أمامكِ موكب المجد العربي: عبد الناصر بصلابته، الجزائر بدم شهدائها، المختار الذي وقف للموت وقفة حياة، وفلسطين… القضية التي لا تموت لأنها مكتوبة بحبر لا يجفّ.
ووقفتِ أخيرًا عند محطة الأستاذ حسن صبرا، فأكرمتِ القلم بتسميةٍ لا ينالها إلّا الأفذاذ: “تاشفين الناصرية”. وما أدراكِ ما تعنيه هذه الكلمة؟ إنها ليست وصفًا، بل ختمًا من التاريخ، وسيفًا من نور، وتحيةً من زمنٍ لم يخلق للأقزام، بل للذين يمشون ورؤوسهم فوق الغيوم.
وحين ردّ عليكِ الأستاذ حسن، لم يكن ردًا… كان انحناءةً رفيعة أمام قامةٍ يعرف جيدًا أنها من سلالة الرافعي، من بيتٍ جُبل على الهيبة والعقل والنور.
جاء كلامه إليكِ كاعتراف شاعرٍ لنجمةٍ تسكن أعلى السماء: أن جمالكِ ورقّتكِ ولغتكِ وموقفكِ… كلّها تتآلف لتكوني “شراعية” الحرف، ومدرسة الصعود الهادئ، وقصيدة تُكتب ولا تتكرّر.
لقد صاغ الأستاذ حسن شهادته فيكِ كما تُصاغ الحلية النفيسة من جوهرٍ واحد، لا يدخلها الزيف، ولا يقترب منها الادّعاء.
وهو ـ وهو من هو ـ لم يخجل أن يقول: “رب تلميذٍ فاق أستاذه” وهذه وحدها تاج، وتاريخ، ومجدٌ لا يزول.
يا فلك…
لقد جمعتِ بين حكمة المرض، ونبل الوفاء، وقوّة الذاكرة، وعذوبة البيان، وحضور الأنثى التي يليق بها أن تكون ابنة مصطفى الرافعي… ذلك الاسم الذي لا يزال صوته يتردّد في فضاءات الأدب كما يتردّد دعاءٌ في جوف الليل.
ويا أستاذ حسن…
كنتَ في ردّك مرآةً للرجولة حين تصدح بالعاطفة، وللفروسية حين تعترف بالجميل، وللناصرية حين تمنح الآخرين من نورك دون أن ينقص منك شيء.
هنيئًا للحبر بكم…
هنيئًا للتاريخ بظلالكم…
وهنيئًا للأدب العربي أنَّه بكم، لا يزال ينجب نجوماً لا تنطفئ مهما اشتدّ ليل الأمة.
