يكاد لا يخوض مختص أو معنيّ في الشأن الأمريكي إلا وأشار إلى جماعات الضغط أو التأثير التي اكتسبت اسمها من بهو الفنادق حيث مكان لقاء من يمثلون تلك الجماعات بأعضاء الكونغرس والمشتغلين بالسياسية في واشنطن. وكان أن تم جمع «لوبي» على نحوين في الصحافة العربية، فريق يصفها باللوبيات وآخر باللوبهات! وهيهات هيهات أن يخرج الحديث في معظم الحوارات أو السجالات الصحفية عن ثلاثة لوبيات مشهورة بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط وهي اللوبي الصهيوني والأصح تسميته بالعلاقات أو المصالح الأمريكية الإسرائيلية، ولوبي السلاح أو المجمع العسكري الصناعي، ولوبي آخر نادرا ما يتم ذكره، وهو الخاص بما تعرف الدولة العميقة أو المؤسسة -ومن القطاعين العام والخاص- في ميادين شتى قد لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه وبعضها صار لاعبا جديدا قويا كقطاع «البيغ تك» عمالقة التكنولوجيا وخاصة المتعلقة بالمعلومات والاتصالات.
لكن ثمة لوبيات لا تقل أهمية فيما يخص الشرق الأوسط، كالمتعلق بحماية الأقليات -عرقيا ودينيا- والتي لا يراها الأردن إلا نسيجا أصيلا في منطقتنا من خلال النموذج الريادي التي تمثله المملكة. وقد اكتسب هذا اللوبي أو التيار في واشنطن (البيت الأبيض والكونغرس ومؤسسات وأجهزة الدولة السيادية)، اكتسب زخما وعنفوانا في ولاية ترمب الثانية، سيما بعد وعيده بضرب نيجيريا إن أخفقت حكومتها في محاسبة وردع التنظيمات الإرهابية الإسلامية في قتل واضطهاد المسيحيين والبالغ نحو مئتي ألف في بضع سنين.
ونحن على مشارف ضربة خاطفة أو حملة من الضربات الاجتراحية في فنزويلا، تنامت قوة لوبي أو تيار آخر مرتبط بملف مكافحة الإرهاب، وهو القضاء على إرهاب المخدرات، بعد تصنيف تجّار السموم كمنظمات إرهابية خارجية، مما وفر الغطاء والأرضية القانونية والسياسية لاستخدام القوة دون إعلان حرب صادر عن الجهة المخولة دستوريا وهو الكونغرس. وتلك الضربات قد تطال إلى جانب فنزويلا، كولومبيا وقد تشمل حتى المكسيك.
يضاف إلى ما تقدم مجموعة ثالثة من جماعات الضغط والتأثير تتعلق بصناعات الغذاء والدواء وما تبعها من مكمّلات غذائية، وما رافقها مما يشاع على أنه الطب البديل أو العلاج الطبيعي أو الأقل تدخلا من الناحية المصنعية. وتحت عناوين فضفاضة وثغرات قانونية وغفلات وتجاهلات من ذوي المصالح، تمكنت بعض اللوبيات من خدمة بعضها بعضا، وعلى مرأى من المكلفين مكافحة استغلال الجمهور بأي شكل من الأشكال خاصة في غذائه ودوائه.
لتفادي ذلك، تخلى روبرت «بوب» إف كينيدي جونيور، وزير الصحة، المرشح الرئاسي السابق الذي خذله حزبه السابق الحزب الديموقراطي، تخلى عن ترشحه للرئاسة كبديل مستقل وتحالف مع «ماغا» في حركة اقترنت باسمه وهي «ماها»، اختصارا لشعار «لنجعل أمريكا تنعم بالصحة مجددا».
يخوض كينيدي يرافقه فريق من الأطباء من بينهم الأمريكي المصري القبطي الطبيب النطاسي د. مارتي مكاري، مدير سلطة الرقابة على الغذاء والدواء المعروفة اختصارا ب»إف دي إيه»، يخوض حربا ضروسا على بعض تلك اللوبيات. الحرب على مسارين رئيسيين: سلامة الدواء وخاصة المطاعيم، وسلامة الغذاء بالتركيز أولا على التخلص من المواد السامة والمسرطنة في المجموعتين. المطاعيم تم إخراج الزئبق من مكوناتها كليا، والغذاء سيصير خاليا من المركبات الكيميائية الثابت أو المشكوك في أضرارها، كالأصباغ والمواد الحافظة وبدائل السكر والملح، وما تم الترويج له عامدا متعمدا على أنه صحي -وما هو كذلك- كالزيوت النباتية بالغة الضرر في الإنسان والحيوان حيث لا يرتضي المهووسون في اقتناء الحيوانات الأليفة تغذية كلابهم وقططهم وأسماكهم الملونة بأغذية تحوي مواد غير عضوية أو معدلة وراثيا أو زيوتا نباتية أو دهونا مهدرجة!
فيا أيها الأخوة الكرام الجادين في حماية البلاد و»العباد» من تغول اللوبيات أيا كانت وحيثما كانت، ما بالنا لا نبدأ بما هو في متناول اليد، من المطبخ قبل أن نصل إلى التململ والشكوى و»المواجهة»؟! هلّا اتخذنا قرارا لا مركزيا محليا من مطابخنا بأن نقول لا وكلّا للوبيات الغذاء والدواء الفاسد المفسد ليس للبدن فقط، بل لما هو أهم، النفس والعقل والروح. كثير من تلك المواد بالغ التعقيد في أثره على الصحة «الجسمنفسانية» لا بل والعقلية. سالوا أهل العلم، فتسمعون العجب العجاب من أطبائنا وصيادلتنا العارفين في اختصاصهم وخبراتهم الذين يخافون الله ويتقوه فيما يخطّون من وصفات طبية، وما بإمكانهم مشاركته الناس مجانا عبر منصات التواصل الاجتماعي، تعميما للفائدة. سمعونا صوتكم، صوت الخبراء فقط. ولعلها فرصة لتطبيق نداءات أطلقها غيورون على المصلحة العامة، بأن يحظر القانون على من هو من خارج الاختصاص الخوض فيما لا يمتلك مقومات «الإفتاء» أو التنظير فيه.
لكل رب أسرة وفرد من أفرادها، في الوطن والمهجر، بإمكانك التصدي لأي «لوبي» داخلي أو خارجي، ما دمنا نرى مصالحنا وما هو في متناول يد كل واحد منا، من رغبة وقدرة، من اختيار وقرار بإحداث التغيير المنشود. خطوات بسيطة تبدأ من المطبخ تعادل ما يساوي أو يزيد على ما نسعى إلى تحقيقه من خلال وزير أو سفير، عين أو نائب، فيما يخص لوبيات أكثر تعقيدا من «اللوبيا»، وأعقد لولبية منها!
«لوبيات» المطبخ!* بشار جرار
4
المقالة السابقة
